×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الإمامة الإلهية (بحوث الشيخ محمد السند) - ج 3 / الصفحات: ٤١ - ٦٠

عقيدة البداء وحقيقة ليلة القدر:

٢٥ ـ وروى الطبري في سورة الرعد في ذيل قوله تعالى: {يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ}(١) بسنده المتّصل عن مجاهد قول الله: {يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ}، قالت قريش حين أُنزل: {وَمَا كَانَ لِرَسُول أَنْ يَأْتِيَ بِآيَة إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ}: ما نراك يا محمّد تملك من شيء، ولقد فُرغ من الأمر، فأُنزلت هذه الآية تخويفاً ووعيداً لهم أنّا إن شئنا أحدثنا من أمرنا ما شئنا، ونُحدث في كلّ رمضان فنمحو ونثبت ما نشاء من أرزاق الناس ومصائبهم، وما نعطيهم وما نقسّم لهم(٢).

أقول: وفي هذه الرواية والروايات التي رويت في ذيل الآية والتي رواها أهل سنّة جماعة الخلافة والسلطان، دالّة على عقيدة البداء التي هي نوع من النسخ التكويني الواردة في روايات أهل البيت، كما تدلّ هذه الروايات على أنّ ما في أمّ الكتاب الذي هو أصل القرآن وحقيقته العلوية الغيبية، متضمّن لكلّ قضاء وقدر، وليس هو مجرّد ظاهر التنزيل، وهذه الحقيقة للقرآن لا ينالها إلاّ المعصوم الذي ينزّل عليه الروح في ليلة القدر، ولا يطمع في نيلها غير المعصوم; إذ ليس الأمر بالأماني والتمنّي، هيهات. وما سيأتي ومضى من رواياتهم لا يخفي تضمّنه لمعنى النسخ والبداء.

٢٦ ـ وروى الطبري في سورة الدخان، بسنده عن ابن زيد في قوله عزّوجلّ: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ}(٣)، قال: تلك الليلة ليلة القدر، أنزل الله هذا القرآن من أُمّ الكتاب في ليلة القدر، ثمّ أنزله على الأنبياء في الليالي والأيام،

١- سورة الرعد ١٣: ٣٩.

٢- جامع البيان في سورة الرعد ذيل قوله تعالى: (يمحو الله ما يشاء).

٣- سورة الدخان ٤٤: ٣.

٤١
وفي غير ليلة القدر(١).

أقول: هذه الرواية دالّة على أنّ الذي يتنزّل من أُمّ الكتاب الذي هو أصل القرآن وحقيقته الغيبية العلوية، والذي يتنزّل منه، ليس ظاهر التنزيل، بل كلّ المقادير وقضاء الحوادث الكونية وأنّ ذلك التنزّل مستمرّ ليس في خصوص ليلة القدر، بل على مرّ الليالي والأيام والآناء واللحظات، وأنّه لا زال يتنزّل بعد ذهاب الأنبياء، يتنزّل على الأوصياء خلفاء النبيّ ـ الاثني عشر من قريش سلام الله عليهم، وهذا المضمون قد ورد في روايات أهل البيت (عليهم السلام).

٢٧ ـ وروى الطبري في سورة الرعد، بسند متّصل عن قتادة قوله تعالى: {وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ}، قال: جملة الكتاب وأصله.

٢٨ ـ وروى الطبري في الموضع المذكور بسنده إلى الضحّاك في قوله: {وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ}، قال: كتاب عند ربّ العالمين.

٢٩ ـ وروى الطبري عن الضحّاك أيضاً في الموضع المزبور {وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ}، قال: جملة الكتاب وعلمه، يعني ما بذلك ما ينسخ منه وما يثبت. وروى نظيره بسند متّصل عن ابن عبّاس {كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا}(٢).

أقول: مقتضى التعبير بلفظ جملة الكتاب عنده تعالى، أنّ ظاهر التنزيل ليس كلّ درجات حقيقة الكتاب، وأنّ جملته مجموع ما فيه من التأويل والحقائق وكلّ قضاء وقدر، وكلّ ما كان ويكون فهو في أُمّ الكتاب، وهو الذي ينزل منه كلّ عام في ليلة القدر بتوسّط الروح، وأنّه لازال ينزل من باطن الكتاب وتأويل كلّ عام في ليلة القدر إلى يوم القيامة، بل في كلّ ليلة، وأنّه كما مرّ في بعض الروايات المتقدّمة.

١- جامع البيان ٢٥ / ٦٤.

٢- سورة الأحزاب ٣٣: ٦.

٤٢
وكلّ هذا المضمون قد ورد في روايات أهل البيت كما ستأتي الإشارة إليه، فللكتاب جملة يستطرّ فيها كلّ شيء، ما من غائبة في السماء والأرض، ولا رطب ولا يابس إلاّ في كتاب مبين، فظاهر التنزيل الذي بين الدفّتين وهو المصحف الشريف، لا يحيط ولا يحتوي بما في أُمّ الكتاب، وإنّما هو ظهر يوقف عليه للوصول إلى البطون والتأويلات والحقائق، بهداية الراسخين في العلم الذين هم أهل آية التطهير الذين يمسّون الكتاب المكنون، كما دلّت على ذلك الآيات الكريمة في السور المختلفة.

بل إنّ من تصريح الآيات بأنّ أهل البيت المطهّرين الذين يمسّون الكتاب المكنون، يُعلم بالتلازم أنّ أهل البيت هم الذين يتنزّل عليهم روح القدس في ليلة القدر، بما في أُمّ الكتاب من القضاء والقدر لكلّ سنة، كما أنّ من التلازم في حديث الثقلين من العترة والكتاب وعدم افتراقهما، يُعلم تلازمهما في كلّ ما ينزل من الكتاب في كلّ سنة.

كما أنّ من التعبير بأنّ عنده أُمّ الكتاب الذي هو جملة مجموعه، وأصله وحقيقته التعبير بأنّ هذه الجملة والحقيقة عند الله للدلالة على القرب المعنوي بحسب نشأة عوالم الخلقة، فمكانته الوجودية غيبية مكنونة في لوح محفوظ ذات مجد كوني وتكويني، وهي الروح الأعظم كما سيأتي في الروايات.

٣٠ ـ وروى بسنده عن ابن عبّاس أنّه سأل كعب عن أُمّ الكتاب، قال: علم الله ما هو خالق ما خلقه عاملون، فقال لعلمه: كن كتاباً فكان كتاباً.. وقال الطبري بعد ذلك: وأولى الأقوال بذلك بالصواب قول من قال وعنده أصل الكتاب وجملته; وذلك أنّه تعالى ذِكره أخبر أنّه يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء، ثم عقّب بذلك بقوله: {وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ}، فكان بيّناً أنّ معناه عنده أصل المثبت منه والمحو، وجملته في كتاب لديه.

٤٣
٣١ ـ وروى الطبري في سورة الدخان بسند متّصل عن ابن زيد في قوله عزّوجلّ: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ}(١)، قال: تلك الليلة ليلة القدر، وأنزل الله هذا القرآن من أُمّ الكتاب في ليلة القدر، ثمّ أنزله على الأنبياء في الليالي والأيام وفي غير ليلة القدر.

٣٢ ـ وروى الطبري في ذيل سورة الدخان بسنده عن عمر مولى غفرة، قال: يقال: ينسخ لملك الموت من يموت في ليلة القدر إلى مثلها; وذلك لأنّ الله عزّوجلّ يقول: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة}، وقال: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْر حَكِيم}(٢)، قال: فتجد الرجل ينكح النساء ويغرس الغرس واسمه في الأموات.

أقول: ومقتضى هاتين الروايتين أنّ القرآن النازل في ليلة القدر ـ وهي الليلة المباركة ـ يُسمّى بحسب حقيقته الغيبية بعدّة أسماء، وهي بحسب مراتبه الغيبية: الكتاب المبين، وأُمّ الكتاب، والكتاب المكنون. كما أنّ مقتضى الرواية الأخيرة هيمنة القرآن والروح النازل في ليلة القدر على وظائف ملك الموت، وأنّه تابع منقاد للروح، وكذلك ميكائيل الموكّل بالأرزاق، وإسرافيل الموكّل بالأحياء، وجبرئيل الموكّل بالعلم والبطش.

وقال الطبري في ذيل سورة الدخان: وقوله: {إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ}(٣)، يقول تعالى ذكره: {إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} رسولنا محمّد (صلى الله عليه وآله) إلى عبادنا {رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}(٤).

وقال: وقوله: {أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ}(٥)، يقول تعالى ذكره: في هذه

١- سورة الدخان ٤٤: ٣.

٢- سورة الدخان ٤٤: ٤.

٣- سورة الدخان ٤٤: ٥.

٤- سورة الدخان ٤٤: ٦.

٥- سورة الدخان ٤٤: ٥.

٤٤
الليلة المباركة يُفرق كلّ أمر حكيم أمراً من عندنا.

أقول: إنّ الإرسال في الآيات الكريمة في سورة الدخان مرتبط بإنزال الروح ليلة القدر بتقادير الحوادث كلّها، وهذا الإرسال في كلّ ليلة قدر من كلّ عام إلى يوم القيامة وإن لم يكن إرسال نبوّة ورسالة، بل هو تزويد لخليفة الله في الأرض، واطّلاعه بإرادات الله ومشيئاته للقيام بالمسؤوليات الإلهية الخطيرة التي تعهد إليه من الباري تعالى، والتي تتوقّف على هذا الكمّ الهائل من العلم بالمقدّرات الإلهية المستقبلية.

دوام ليلة القدر من الروايات الحاثّة على فضيلتها في الصحاح:

قد عقد البخاري ومسلم كلّ منهما باباً بعد كتاب الصوم أُدرج فيه خمسة أبواب:

الأوّل: في فضل ليلة القدر.

الثاني: التماس ليلة القدر في السبع الأواخر.

الثالث: تحرّي ليلة القدر في الوتر من العشر. وأورد فيها البخاري روايات عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) كلّها آمره بالتماس وتحرّي ليلة القدر، أي طلبها كلّ عام، ممّا يقضي بدوام ليلة القدر إلى يوم القيامة.

٤٥
وممّا أورده في تلك الروايات بسنده عن ابن عمر أنّ رجالاً من أصحاب النبيّ (صلى الله عليه وآله) أُروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال (صلى الله عليه وآله): أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحرّيها فليتحرّها في السبع الأواخر.

أقول: مقتضى هذه الرواية أنّ ليلة القدر حقيقة قد يرى بعضُ آياتها، وبعض لمعانها وأنوارها بعضُ البشر. ومثله في صحيح مسلم.


*  *  *  *  *

٤٦
٤٧

شهر رمضان إعداد لليلة القدر
وهي باب عظيم لمعرفة الإمام (عليه السلام)


فكما أن هناك صلة بين شهر رمضان وليلة القدر، فهناك صلة وثيقة بينهما وبين حقيقة الإمام (عليه السلام)، وكما أنّ شهر رجب وشهر شعبان يوطّئان ويمهّدان لشهر رمضان، فكذلك شهر رمضان يوطئ لليلة القدر، وليلة القدر بدورها توطئ لنزول الروح والملائكة الذي هو نزول لحقيقة القرآن، والروح أنّما ينزل بكلّ أمر على من يصطفيه الله من عباده في كلّ عام وهو الإمام، وتعظيم شهر رمضان أنّما هو لما فيه من ليلة القدر، وعظمة ليلة القدر أنّما هي لما فيها من نزول الروح ونزول القرآن، وهو أنما ينزل على من يشاء من عباد الله، مَنْ اصطُفي لذلك.

فشهر رمضان بيئة نورية لليلة القدر، وليلة القدر بيئة أشدّ نوراً لنزول الروح، ونزول الروح أشدّ نوراً بأضعاف عند من يتنزّل عليه الروح.

فالانشداد إلى شهر رمضان انشداد إلى ليلة القدر، والانشداد إلى ليلة القدر انشداد إلى الإمام الذي يتنزّل عليه الروح. وإدراك ليلة القدر هو بمعرفة حقيقة

٤٨
القدر وهي نزول الروح على من يشاء الله من عباده المصطفين بكلّ أمر يقدّره من حوادث السنةّ، فمعرفة ليلة القدر معرفة لحقيقة النبوّة والإمامة وإدراكها هو بهذه المعرفة.

روى الكليني عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: ".. فضل إيمان المؤمن بجملة {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ} وتفسيرها على من ليس مثله في الإيمان بها، كفضل الإنسان على البهائم، وإنّ الله عزّوجلّ ليدفع بالمؤمنين بها عن الجاحدين لها في الدنيا لكمال عذاب الآخرة لمن علم أنّه لا يتوب منهم ـ ما يدفع بالمجاهدين عن القاعدين"، الحديث(١).

بيئة ليلة القدر شهر رمضان:

إنّ الناظر في خصائص شهر رمضان وما أحيط به من هالة معنوية وزخم روحي كبير وتركيز مكثّف هو تمهيد لليلة القدر، وإنّ ذلك لا يقتصر على شهر رمضان بل يبدأ من شهر رجب ومن بعده شهر شعبان إلى أن يصل شهر رمضان، شهر الله الذي عُظّم من الله عزّوجلّ، حيث نُسب إليه تعالى وجُعلت فيه ليلة القدر. وكذلك كونه شهر ضيافة الله عزّوجلّ وأنّه أُنزل فيه القرآن العظيم، حيث قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَات مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}(٢).

وكلّ هذا التعظيم حلقات مترابطة لتصل إلى ما في شهر رمضان من أوج العظمة وهي ليلة القدر، حيث إنّ فضائل شهر رمضان في جانب وفضائل ليلة القدر في

١- الكافي ١ / ٢٥٠ ح ٧.

٢- سورة البقرة ٢: ١٨٥.

٤٩
جانب آخر، فإنّ كلّ ما حفّ به شهر رجب الأصبّ الذي تصبّ فيه الرحمة صبّاً، وشهر شعبان الذي تتشعّب فيه طرق الخير، كلّ ذلك قد تضاعف أضعافاً في خصائص شهر رمضان، وتضاعف ما في شهر رمضان من خصائص إلى ثلاثين ألف ضعف في ليلة القدر.

فليلة القدر هي أوج عظمة الضيافة الإلهية والحفاوة الربّانية، فأوج نصيب حظّ العباد إدراك ليلة القدر، إلاّ أنّ هذا الإدراك للّيلة العظيمة ليس بمجرّد الكمّ الكبير من العبادات والأدعية والابتهال والتنفّل; فإنّ كلّ ذلك إعداد ضروري لما وراءه من إدراك آخر لحقيقة ليلة القدر وهو معرفة هذه الليلة، ومعرفتها هو بمعرفة حقيقتها المتّصلة بحقيقة الإمام والإمامة.

فمن ثمّ كان شهر رمضان شهر الله الأغرّ وشهر معرفة الإمام خليفة الله في أرضه، فكما أنّ شهر رمضان نفخ بالحياة للدين القويم، فإنّ ليلة القدر هي القلب النابض في هذا الشهر; لما لها من صلة بالإمام وتنزّل الروح الأعظم عليه.

فشهر رمضان بوابة لمعرفة ليلة القدر، وليلة القدر بوابة لمعرفة الإمام والارتباط به والانشداد إليه، فجُعل شهر رمضان سيد الشهور كما جاء في روايات الفريقين، وجُعلت ليلة القدر قلب شهر رمضان كما ورد في الحديث.

وقد جُعل شهر رمضان أعظم حرمة من الأشهر الحُرُم الأربعة، وهذه العظمة لشهر رمضان أنّما هو لما فيه من تلك الليلة العظيمة، فهو كالجسم وهي كالروح له، مع أنّ شهر رمضان هو كالروح للأشهر الحُرُم الأربعة التي منها شهر رجب. وكلّ ذلك يرسم مدى العظمة التي تحتلّها ليلة القدر، وقد بيّن الغاية من الصيام في شهر رمضان في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى

٥٠
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(١).

والصيام على درجات كما كان في الشرائع السابقة، فلا يقتصر على الإمساك البدني بل يرتبط بالدرجات الاعتقادية كالإمساك عن الكذب على الله ورسوله، فصيام على مستوى الجانب البدني وصيام الجوانح وصيام على مستوى الحالات النفسية والخواطر، وهناك صيام على مستوى الحالات القلبية وحالاته وخواطره.

وأعظم المراتب على مستوى الاعتقاد، كما يشير إليه قول الإمام الصادق (عليه السلام) في رواية جراح المدائني(٢)، فبيّن (عليه السلام) صوم الصمت كما هو صوم زكريا ومريم، وعُرف بصوم الصمت الداخل، أي الإمساك بحسب كلّ مراتب النفس الباطنية.

فشهر رمضان بيئة عظيمة لليلة القدر، وقد وصف هذا الشهر كما في خطبة النبيّ (صلى الله عليه وآله) التي رواها الصدوق بسند معتبر عن الرضا (عليه السلام)، عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "شهر الله ذي البركة والرحمة والمغفرة، شهر، هو عند الله أفضل الشهور وأيامه أفضل الأيام ولياليه أفضل الليالي وساعاته أفضل الساعات، هو شهر دُعيتم به إلى ضيافة الله وجُعلتم به من أهل كرامة الله، أنفاسكم فيه تسبيح ونومكم فيه عبادة وعملكم فيه مقبول ودعاؤكم فيه مستجاب.. هذا الشهر العظيم.. ومن تلى فيه آية من القرآن كان له مثل أجر من ختم القرآن في غيره من الشهور. أيّها الناس، إنّ أبواب الجنان في هذا الشهر مفتّحة فسلوا ربّكم أن لا يغلقها عليكم، وأبواب النيران مغلّقة فسلوا ربّكم أن لا يفتحها عليكم، والشياطين مغلولة فسلوا ربّكم أن لا يسلّطها عليكم".

١- سورة البقرة ٢: ١٨٣.

٢- أبواب آداب الصائم باب١٢ أنّه يكره للصائم الجدال والجهل والحلف الحديث ١٣. (مصباح المتهجّد للطوسي: ٦٢٥) حيث يقول الصادق (عليه السلام): "إن الصيام ليس من الطعام والشّراب وحده... قالت مريم (عليها السلام): (إنّي نذرت للرّحمن صوماً) أي صمتاً، فإذا صمتم فاحفظوا ألسنتكم...".

٥١
فهذا الشهر قد عظّمه الباري وكرّمه وشرّفه وفضّله على الشهور، وافترض صيامه على العباد، وأنزل فيه القرآن هدى للناس وبيّنات من الهدى والفرقان، وجعل فيه ليلة القدر وجعلها خيراً من ألف شهر.

أوصاف ليلة القدر:

إلاّ أنّ كلّ هذه الأوصاف لشهر رمضان بالقياس إلى أوصاف ليلة القدر منه هي دون الأوصاف التي وصفت بها تلك الليلة; فإنّ تلك الأوصاف قد ذكرت لليلة القدر بنحو مضاعف أضعافاً، وكأنّ الشهر توطئة وإعداد للولوج في تلك الليلة، حتّى أنّ أغلب أدعية ذلك الشهر المأثورة تركّز على الدعاء والطلب لإدراك تلك الليلة، ولطلب حسن ما يقضي ويقدّر من الأمر المحتوم وما يفرق من الأمر الحكيم في تلك الليلة من القضاء الذي لا يردّ ولا يبدّل.

ومن تلك الأوصاف، أنّها أوّل السنة المعنوية بلحاظ لوح القضاء والقدر. فقد روى الكُليني عن رفاعة عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: "ليلة القدر هي أوّل السنة وهي آخرها"(١).

وروى الشيخ في التهذيب بعدّة أسانيد إلى مولانا الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "إذا سلم شهر رمضان سلمت السنة، وقال: رأس السنة شهر رمضان"(٢).

وروى الكُليني بسنده إلى أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: "الشهور عند الله اثنا عشر شهراً

١- الكافي ٤ / ١٦٠.

٢- التهذيب ٤ / ٣٣٣.

٥٢
في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض، فغرّة الشهور شهر الله عزّوجلّ وهو شهر رمضان، وقلب شهر رمضان ليلة القدر"(١).

وروى ابن طاووس في الإقبال بإسناده إلى علي بن فضّال من كتاب الصيام، بإسناده إلى ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: "شهر رمضان رأس السنة"(٢).

وقال أيضاً في كتاب إقبال الأعمال بعد ذكر جملة للروايات المتضمّنة لهذا المضمون: (واعلم أنّني وجدت الروايات مختلفات، هل أنّ أوّل السنة محرّم أو شهر رمضان؟ لكنّني رأيت من عمل من أدركته من علماء أصحابنا المعتبرين وكثيراً من تصانيف علمائهم الماضين، أنّ أوّل السنة شهر رمضان على التعيين، ولعلّ شهر الصيام أوّل العام في عبادات الإسلام، والمحرّم أوّل السنة في غير ذلك من التواريخ ومهام الأنام; لأنّه جلّ جلاله عظّم شهر رمضان، فقال جلّ جلاله: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَات مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}(٣)فلسان حال هذا التعظيم كالشاهد لشهر رمضان بالتقديم; ولأنّه لم يجر لشهر من شهور السنة ذكر باسمه في القرآن وتعظيم أمره إلاّ لهذا الشهر شهر الصيام، وهذا الاختصاص بذكره كأنه ينبّه ـ والله أعلم ـ على تقديم أمره; ولأنّه إذا كان أوّل السنة شهر الصيام وفيه ما قد اختصّ به من العبادات التي ليست في غيره من الشهور والأيام، فكأنّ الإنسان قد استقبل أوّل السنة; ولأنّ فيه ليلة القدر التي يُكتب فيها مقدار الآجال وإطلاق الآمال، وذلك منبّه على أنّ شهر الصيام أوّل السنة)(٤).

قال المجلسي (قدس سره): قال الوالد العلاّمة: (الظاهر أنّ الأوّلية باعتبار التقدير، أي أوّل

١- الكافي ٤ / ٦٧.

٢- إقبال الأعمال ١ / ٣٢ الباب الثاني.

٣- سورة البقرة ٢: ١٨٥.

٤- إقبال الأعمال ١ / ٣٢ ـ ٣٣ الباب الثاني.

٥٣
كتاب الإمامة الإلهية (بحوث الشيخ محمد السند) - (ج ٣) لـ صادق الشيخ محمّد رضا الساعدي (ص ٥٤ - ص ٦٤)

٥٤
لأبواب والغلق لأبواب أُخرى.

ومنها: يُضاعف العمل ثلاثين ألف ضعف، كما قال تعالى: {خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْر}. إلى غير ذلك من الخصائص التي امتازت بها ليلة القدر، إلاّ أنّ كلّ ذلك هو تمهيد وتوطئة وإعداد لأكبر امتياز وخاصّية امتازت بها ليلة القدر، وهو نزول القرآن والروح والملائكة فيها في كلّ عام.

وروي في مجمع البيان عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال: "إنّ الشيطان لا يخرج في هذه الليلة حتّى يضيء فجرها، ولا يستطيع فيها أن ينال أحداً بخبل أو داء أو ضرب من ضروب الفساد، ولا ينفذ فيه سحر ساحر"(١).

ليلة القدر بيئة لنزول القرآن كلّ عام:

فكلّ الإعداد السابق للمسلم والمؤمن في بيئة شهر رمضان المباركة ومحيط أجواء النور في ليلة القدر وعبادة المؤمن وأعماله في هذه الليلة المتضاعفة أضعافاً، تبلغ أجر العمل في هذه الليلة من كلّ عام ما يزيد على عمر الإنسان لو قدّر تطاوله إلى ما يزيد على ثلاث وثمانين عاماً.

كلّ هذا الإعداد والرقي الروحي للمؤمن يُكتب له لأجل أن يدرك ليلة القدر، وإدراكها بدراية (ما ليلة القدر) حيث قال تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ}(٢) وهو تحضيض وترغيب وحثّ على دراية ومعرفة ليلة القدر; فـ {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ} أي ما أعلمك بليلة القدر، فإدراكها بدرايتها.

١- تفسير مجمع البيان ١٠ / ٤٠٩.

٢- سورة القدر ٩٧: ٢.

٥٥
وليست درايتها ومعرفتها هي بمعرفة وقتها الزماني ليتخيّل أنّ إدراكها هو بتحديد أي ليلة هي من الليالي لتوقع الأعمال العبادية فيها، بل هذا أدنى درجات الإدراك، ومعدّ إلى درجات أُخرى لإدراكها بدرايتها ومعرفة الإرهاصات التي تقع فيها، ومن ثمّ قال تعالى عقيب قوله {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ} بقوله تعالى بخيرّيتها من ألف شهر، وأوج معرفتها بتنزّل الملائكة والروح فيها من كلّ أمر، فالعمدة في درك ودراية هذه الليلة بمعرفة نزول الروح والملائكة فيها من كلّ عام.

ويواجه الباحث هنا عدّة تساؤلات:

الأوّل: ما هي العلاقة بين نزول القرآن في ليلة القدر ونزول الروح؟ وما هذه الصلة التي يجدها ملحوظة في سورة القدر؟ حيث إنّ الضمير في {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} يعود إلى القرآن، كما أنّ الضمير في سورة الدخان {حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة} يعود إلى الكتاب المبين، وقوله تعالى {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَات مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}(١).

الثاني: هل النزول للقرآن يستمرّ باستمرار نزول الروح في ليلة القدر من كلّ عام؟

الثالث: ما هي الصلة بين الكتاب المبين والقرآن الذي أُنزل في الليلة المباركة ليلة القدر؟ كما في سورة الدخان التي تقدّمت، وفي سورة الزخرف من قوله تعالى: {حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ}(٢).

وقد وصفت الآيات المحكمات بأنّهن أُمّ الكتاب في سورة آل عمران في قوله

١- سورة البقرة ٢: ١٨٥.

٢- سورة الزخرف ٤٣: ١-٤.

٥٦
تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ}(١).

الرابع: ما هي الصلة بين نزول القرآن ونزول الروح والملائكة، وتقدير كلّ أمر من الحوادث والآجال والأرزاق، وكلّ صغيرة وكبيرة تقع على كلّ شخص وكلّ مجتمع بل كلّ نبات وحيوان وجماد وكون ومكان ودول وجماعات وأحزاب ومنظمات إقليمية وقطرية ومذاهب وطوائف وحرب وسلم وغلاء ورخص وأمن وخوف ومواليد وأموات؟

وتدبير كلّ شيء من عظائم الأُمور وصغائرها، وأحلاف سياسية وعسكرية وأمنية، ومخطّطات ومشاريع، وظواهر اجتماعية واقتصادية، وظواهر فكرية اعتقادية، وانتشار الأمراض والأوبئة المهدّدة للصحّة العالمية البشرية، والسياسات المتبنّاة في كلّ إقليم، وتوازن القوى الاجتماعية والإقليمية والدولية، وسقوط دول وبروز أُخرى، وتبدّل أعراف ونشوء أُخرى قانونية واجتماعية وأخلاقية، وما سيدور في الدوائر الأمنية والسياسية والمخابراتية الدولية والقطرية من خلف الكواليس؟ حيث قال تعالى في سورة الدخان: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْر حَكِيم * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ}(٢)، وقال في سورة القدر: {تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْر}(٣)، وقوله تعالى: {يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ}(٤)، وقوله تعالى: {يُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ}(٥)، وقوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْء وَهُدًى وَرَحْمَةً}(٦).

وروى الكُليني عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: "كان عليّ (عليه السلام) كثيراً ما يقول: ما اجتمع

١- سورة آل عمران ٣: ٧.

٢- سورة الدخان ٤٤: ٤ - ٥.

٣- سورة القدر ٩٧: ٤.

٤- سورة الرعد ١٣: ٣٩.

٥- سورة النحل ١٦: ٢.

٦- سورة النحل ١٦: ٨٩.

٥٧
التيمي والعدوي عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يقرأ إنّا أنزلناه بتخشّع وبكاء، فيقولان: ما أشدّ رقّتك لهذه السورة؟ فيقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): لِما رأت عيني ووعى قلبي، ولِما يرى قلبُ هذا من بعدي. فيقولان فما الذي رأيت وما الذي يرى. قال: فيكتب (صلى الله عليه وآله) لهما في التراب {تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْر}. قال: ثمّ يقول: هل بقي شيء بعد قوله عزّوجلّ: (كلّ أمر) فيقولان: لا.." الحديث(١).

وروى الكُليني صحيح محمّد بن مسلم، عن أحدهما، قال: ".. وسُئل عن ليلة القدر فقال: تنزّل فيها الملائكة والكتبة إلى السماء الدنيا، فيكتبون ما يكون في أمر السنة وما يصيب العباد، وأمره عنده موقوف له وفيه المشيئة، فيقدّم منه ما يشاء ويؤخّر منه ما يشاء"(٢).

وروى في صحيح الفضلاء في حديث، في قوله عزّوجلّ {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْر حَكِيم} قال: يقدّر في ليلة القدر كلّ شيء يكون في تلك السنة إلى مثلها من قابل خير وشر وطاعة ومعصية ومولود وأجل أو رزق، فما قدّر في تلك السنة وقضي فهو المحتوم ولله عزّوجلّ فيه المشيّة(٣).

الخامس: من هو الذي ينزل عليه الروح والملائكة بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله) في هذه الأُمّة إلى يوم القيامة؟ حيث إنّ نزول الملائكة والروح بحسب سورة القدر وسورة الدخان كان قطعاً على النبيّ (صلى الله عليه وآله)، حيث إنّ نزول الروح والملائكة كان إنزالاً للقرآن على النبيّ (صلى الله عليه وآله)، فلم يكن نزولاً بلا مقصد ينتهي إليه النزول، وكذا قوله في سورة الدخان: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْر حَكِيم * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ}(٤) فالآية تصرّح أنّ مورد النزول هو من يشاء الله من

١- الكافي ١ / ٢٤٩.

٢- الكافي ٤ / ١٥٧.

٣- الكافي ٤ / ١٥٦.

٤- سورة الدخان ٤٤: ٣ - ٥.

٥٨
عباده، أي يصطفيهم لذلك ليكونوا منذرين، وكذلك سورة غافر في قوله تعالى: {يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ}(١).

السادس: هل هذا المتنزّل من الكمّ الهائل من المعلومات عن كلّ ما يحدث في الأرض والذي ينزل على من اصطفاه الله لذلك وشاء له ذلك بنصّ سورة النحل وغافر والتي هي نظم ومنظومات معلوماتية بالغة الخطورة عن المستقبل في كلّ الحقول ونظم الاجتماع السياسي والاقتصادي والأمني، فهل نزولها للترف العلمي ومجرّد اطّلاع من يشاء الله من عباده، أم أنّ ذلك ليقوم بمهام وأدوار خطيرة في البشرية في كافّة أرجاء الأرض؟

وعلى كلّ تقدير، فإنّ ظاهر سورة القدر {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} هو نزول القرآن في ليلة القدر، كما هو ظاهر قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَات مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}(٢)، فإنّ مفادهما كما اعترف بذلك جملة كثيرة من المفسّرين من الفريقين، هو نزول القرآن جملة واحدة في شهر رمضان، وظاهر الضمير في سورة القدر عائد إلى القرآن، كما أنّ لفظ الآية في سورة البقرة كذلك {الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}، حيث إنّ ظاهر (ال) في المجموع، وكذلك هو مفاد قوله تعالى في سورة الدخان: {حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة}، فإنّ الضمير عائد إلى الكتاب المبين برمّته. هذا مضافاً إلى أنّ بعثة الرسالة النبويّة هي في شهر رجب وهو مبدأ نزول القرآن نجوماً وأنّ أوّل سورة نزلت هي سورة العلق وغيرها من السور، فمن ثمّ حُمل ذلك على استظهار أنّ للقرآن نزولان:

النزول الأوّل: بجملة القرآن.

١- سورة غافر ٤٠: ١٥.

٢- سورة البقرة ٢: ١٨٥.

٥٩
والنزول الثاني: هو نزول مفصّل تدريجي نجومي بحسب الوقائع والأحداث.

وقد تفطّن إلى ذلك في دلالة الآيات ببركة ما ورد من روايات أهل البيت (عليهم السلام) وانتشر من حديثهم، فتبنّاها جملة من طبقات التابعين أخذاً عنهم وإن لم يسندوها إليهم، فقد ورد عنهم (عليهم السلام) كما في صحيحة حمران أنّه سأل أباجعفر (عليه السلام) عن قول الله عزّوجلّ: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة}؟ قال: "نعم، ليلة القدر، وهي في كلّ سنة في شهر رمضان في العشر الأواخر، فلم ينزل القرآن إلاّ في ليلة القدر.."(١).

وقال علي بن إبراهيم في تفسيره في معنى {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}: فهو القرآن نزل إلى البيت المعمور في ليلة القدر جملة واحدة، وعلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في طول ثلاث وعشرين سنة {وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ}. ومعنى ليلة القدر أنّ الله تعالى يقدّر فيها الآجال والأرزاق، وكلّ أمر يحدث من موت أو حياة أو خصب أو جدب أو خير أو شرّ، كما قال الله تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْر حَكِيم}(٢) إلى سنة، قوله: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْر حَكِيم} قال: تنزّل الملائكة وروح القدس على إمام الزمان، ويدفعون إليه ما قد كتبوه من هذه الأُمور)(٣).

وروى الكُليني بسنده عن الحسن بن عبّاس بن جريش، عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام)، قال: "قال الله عزّوجلّ في ليلة القدر: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْر حَكِيم} يقول: ينزل فيها كلّ أمر حكيم، والمحكم ليس بشيئين إنّما هو شيء واحد، فمن حكم بما ليس فيه اختلاف فحكمه من حكم الله عزّوجلّ"(٤). الحديث.

وروى الكُليني بسنده إلى أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: "نزل القرآن جملةً واحدة في

١- الكافي ٤ / ١٥٧.

٢- سورة الدخان ٤٤: ٤.

٣- تفسير القمّي ٢ / ٤٣١.

٤- الكافي ١ / ٢٤٧ ح ٣.

٦٠