×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 6) / الصفحات: ١ - ٢٠

موسوعة الأسئلة العقائدية ج٦ » مركز الأبحاث العقائدية » (ص ١ - ص ٣٠)



١

موسوعة الأسئلة العقائدية

المجلّد السادس

تأليف

مركز الأبحاث العقائدية

٢

٣

بسم الله الرحمن الرحيم

٤

٥

الإلهيات (وجوده سبحانه وتعالى)*

*انظر ــ ما يتعلّق بهذا الموضوع ــ : (أصول الدين)(الإلهيات/ الأسماء والصفات)(الإيمان والكفر)(التجسيم والتشبيه)(التكفير) (التوحيد والتثليث)(الخلق والخليقة)(رؤية الله عزوجل)(العرفان) (الفطرة)(الفلسفة)(القضاء والقدر).

٦

٧

(لماذا البحث عن معرفة الله؟)

« صالح ــ البحرين »

السؤال:

لماذا البحث عن معرفة الله؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لا توجد حركة بدون محفّز, وبالطبع فلا يمكن للحركة في طريق معرفة مبدأ عالم الوجود أن تكون بلا محفّز, ومن هنا يذكر الفلاسفة والعلماء ثلاثة محفّزات أساسيّة للبحث عن الله. وجميعها مشار إليها في القرآن الكريم إشارات واضحة:

١ــ الحافز العقلي.

٢ــ الحافز الفطري.

٣ــ الحافز العاطفي.

الحافز العقلي:

الإنسان يحبّ الكمال, ويعدّ هذا الحبّ حبّاً خالداً عند كلّ الناس، ويبقى أنّ كلّ إنسان يرى كماله في شيء معيّن, فيذهب نحوه, وبعضهم يذهب باتّجاه السراب بدل الماء، ويلهثون خلف القيم الوهميّة والكمالات الخياليّة ويتصوّرونها واقعاً.

٨
قد يسمّى هذا المبدأ أحياناً بـ (غريزة حبّ المنفعة ودفع الضرر) التي يجد الإنسان في ضوئها بأنّه ملزم أن يكون له تعامل جاد مع كلّ موضوع يتعلّق بمصيره (بلحاظ النفع والضرر).

لكن إطلاق كلمة (غريزة) على هذا الحبّ أمر غير سليم؛ فالغريزة عادة تطلق على أُمور تؤثّر في أفعال البشر، أو باقي الأحياء، بدون تدخّل التفكير, ومن هنا تستعمل بالنسبة للحيوانات أيضاً.

وعلى هذا الأساس فمن الأفضل أن نستخدم عنوان: (الميول السامية)، التي استعملها بعض العلماء لمثل هذه الموارد.

وعلى كلّ حال, فهذا الحبّ للكمال، والميل نحو المصالح المعنويّة والماديّة، ودفع كلّ أنواع الضرر، يجبر الإنسان على التحقيق حتّى في مواضع الاحتمال, وكلّما كان هذا الاحتمال أقوى, وذلك النفع والضرر أعظم, كان التحقيق والنظر أوجب، فمن المستحيل أن يحتمل شخص تأثير أمر مهم في مصيره, ولا يرى من واجبه التحقيق فيه.

وقضيّة الإيمان بالله والبحث عن الدين تعدّ من هذه القضايا بلا شكّ؛ لأنّ هنالك في محتوى الدين كلام عن القضايا المصيريّة, وعن القضايا التي يرتبط بها خير الإنسان وشرّه ارتباطاً وثيقاً.

بعضهم يذكر مثالاً من أجل إيضاح هذا الأمر, فيقولون: لنفترض أنّنا نجد إنساناً واقفاً على مفترق طريقين ونسمعه يقول: إنّ البقاء هنا خطر يقيناً, واختيار هذا الطريق (إشارة إلى أحد الطريقين) هو الآخر خطر, والطريق الثاني هو طريق النجاة, ثمّ يذكر قرائن وشواهد لكلّ ما قاله.

٩
فما من شكّ أنّ أي عابر سبيل يرى نفسه ملزماً بالتحقيق ويعتقد أنّ اللاأُباليّة اتّجاه هذه الأقوال مخالفة لحكم العقل. والأصل العقلي المعروف بـ(دفع الضرر المحتمل) فرعٌ من الحافز العقلي.

والقرآن يخاطب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فيقول: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾(١)، (أَرَأَيْتُمْ) تأتي عادةً بمعنى: (أخبروني)، وتفسّر بالمعنى نفسه.

ومن الواضح أنّ هذا الكلام إنّما يقال للأشخاص الذين لا ينفع معهم أيّ دليل منطقي لشدّة عنادهم وتعصّبهم؛ فالآية تقول لهؤلاء: إذا كنتم ترفضون حقانية القرآن والتوحيد ووجود عالم ما بعد الموت وتصرّون عليه, فأنتم لا تملكون حتماً دليلاً قاطعاً على هذا الرفض, لذا يبقى ثمّة احتمال في أن تكون دعوة القرآن وقضية المعاد حقيقة موجودة, عندها عليكم أن تتصوّروا المصير الأسود الموحش الذي ينتظركم؛ لعنادكم وضلالكم ومعارضتكم الشديدة إزاء الدين الإلهي.

إنّه الأسلوب نفسه الذي نقرأ في محاججة أئمّة المسلمين لأمثال هؤلاء الأفراد, كما نرى ذلك واضحاً في الحادثة التي ينقلها العلاّمة الكليني في (الكافي)؛ إذ يذكر فيه الحوار الذي دار بين الإمام الصادق عليه السلام وابن أبي العوجاء.

فمن المعروف أنّ عبد الكريم بن أبي العوجاء كان من ملاحدة عصره ودهريّه, وقد حضر الموسم (الحجّ) أكثر من مرّة والتقى بالإمام الصادق عليه السلام في مجالس حوار, انتهت إلى رجوع بعض أصحابه عنه إلى الإسلام, ولكن ابن أبي العوجاء لم يسلم,

١- فصلت (٤١): ٥٢.

١٠
وقد صرّح الإمام عليه السلام بأنّ سبب ذلك هو: أنّه أعمى ولذلك لا يُسلم.

والحادثة موضع الشاهد هنا, هي أنّ الإمام بَصر بابن أبي العوجاء في الموسم، فقال له: ما جاء بك إلى هذا الموضع؟

فأجاب ابن أبي العوجاء: عادة الجسد, وسُنّة البلد, ولننظر ما الناس فيه من الجنون والحلق ورمي الحجارة!

فقال له الإمام: أنت بعد على عتوّكِ وضلالك يا عبد الكريم (يناديه الإمام بهذا الاسم, وهو اسمه الحقيقي مع كونه منكراً لله؛ لكي يشعره مهانة ما هو عليه وهذا اسمه).

وعندما أراد أن يبدأ بالمناقشة والجدال قال له الإمام عليه السلام: لا جدال في الحجّ. ثمّ قال له: إن يكن الأمر كما تقول, وليس كما تقول, نجونا ونجوت. وإن يكن الأمر كما نقول, وهو كما نقول، نجونا وهلكت.

فأقبل عبد الكريم على من معه وقال: وجدت في قلبي حزازة (ألم) فردّوني. فردّوه، فمات(١).

الحافز العاطفي:

ثمّة مثل معروف يقول: ((إنّ الناس عبيد الإحسان)).

وورد هذا المعنى نفسه تقريباً في حديث عن أمير المؤمنين الإمام عليّ عليه السلام: (الإنسان عبد الإحسان)(٢).

١- الكافي ١: ٧٧ ــ ٧٨ حديث (٢) كتاب التوحيد، باب حدوث العالم.

٢- غرر الحكم، للآمدي: ٧٧ حديث (١٨١٣) حرف الألف، عيون الحكم والمواعظ، لأبي الحسن الواسطي: ٦١، الباب الأوّل، الفصل الأوّل: ممّا أوّله الألف واللام.

١١
ونقرأ في حديث عن الإمام عليه السلام: (بالإحسان تملك القلوب)(١).

وفي حديث عن الإمام عليه السلام أيضاً: (وأفضل على من شئت تكن أميره)(٢).

وجذور كلّ هذه المفاهيم في حديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؛ إذ يقول: (إنّ الله جَبل قلوب عباده على حبّ من أحسن إليها وبغض من أساء إليها)(٣).

والخلاصة: هي أنّ هنالك حقيقة تقول: إنّ الذي يسدي خدمة لشخص آخر، أو ينعم عليه نعمة، فسيكون محطّاً لعواطفه, ويكون هذا الآخر مُحبّاً لصاحب الخدمة والنعمة, يحبّ أن يتعرف عليه تماماً ويشكره, وكلّما كانت هذه النعمة أهمّ وأوسع, كان تحريك العواطف نحو المنعم ومعرفته أكثر.

ولهذا جعل علماء علم الكلام (العقائد) مسألة (شكر المنعم) ومنذ القدم إحدى المحفّزات على التحقيق عن الدين ومعرفة الله.

ولكن يجب الانتباه إلى أنّ (شكر المنعم), هو أمر عاطفي قبل أن يكون حكماً عقليّاً.

نقرأ في حديث عن الإمام الباقر عليه السلام: أنّه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند عائشة ليلتها، فقالت: يا رسول الله! لم تتعب نفسك وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ فقال: يا عائشة! ألا أكون عبداً شكوراً)(٤).

١- غرر الحكم: ٩٨ الحديث (٢٣١٠) حرف الباء، عيون الحكم والمواعظ: ١٨٦، الباب الثاني حرف الباء.

٢- الإرشاد، للمفيد ١: ٣٠٣ ومن كلامه عليه السلام في وصف الإنسان.

٣- تحف العقول، لابن شعبة: ٥٣، (وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم في قصار هذه المعاني).

٤- أُصول الكافي، للكليني ٢: ٩٥ حديث (٦) كتاب الإيمان والكفر، باب الشكر.

١٢

الحافز الفطري:

فعندما نتحدّث عن الفطرة، فمرادنا: تلك الإحساسات والإدراكات نفسها التي لا تحتاج إلى أيّ استدلال عقلي؛ عندما نشاهد منظراً طبيعيّاً جميلاً جدّاً، أو زهرة ذات لون ورائحة طيّبة، نحسّ في داخلنا بانجذاب قوّي نحوها. ونسمّي هذا الإحساس بـ(الميل نحو الجمال وحبّه) ولا نرى أي حاجة للبرهنة هنا.

أجل, إنّ الإحساس بالجمال من الميول المتعالية للروح الإنسانية.

والاندفاع نحو الدين وخاصّة معرفة الله هو أيضاً من هذه الإحساسات الذاتية والداخلية, بل هو من أقوى الحوافز في أعماق روح جميع البشر.

ولهذا السبب لا نشاهد قوماً أو أُمّة، لا في الحاضر ولا في الماضي التاريخي، لم تكن تمتلك نوعاً من العقائد الدينية تتحكّم في فكرها وروحها. وهذه علامة على أصالة هذا الإحساس العميق.

عندما يذكر القرآن قصص نهضة الأنبياء العظام فإنّه يؤكّد في عدّة مواضع على هذه النقطة، وهي: أنّ الرسالة الأصيلة للأنبياء تتمثّل بإزالة آثار الشرك والوثنيّة وليس إثبات وجود الله؛ لأنّ هذا الموضوع مخبّاً في أعماق طبيعة كلّ إنسان.

وبتعبير آخر: إنّهم لم يكونوا بصدد غرس بذور عبادة الله في قلوب الناس, بل كانوا بصدد سقاية البذور الموجودة واستئصال الأشواك والأدغال الزائدة المضرّة التي قد تقتل أو تذبل هذه البذور بصورة تامّة في بعض الأحيان.

ووردت جملة: ((ألّا تعبدوا إلّا الله))، أو ((ألّا تعبدوا إلّا إيّاه)) في كلام الكثير من الأنبياء في القرآن الكريم, وهي عبارات تفيد نفي الأصنام وليس

١٣
إثبات وجود الله، كما جاء في دعوة رسول الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم في سورة هود الآية (٢), ودعوة النبيّ نوح عليه السلام في سورة هود الآية (٢٦)، ودعوة النبيّ يوسف عليه السلام في سورة يوسف الآية (٤٠)، ودعوة النبيّ هود عليه السلام في سورة الأحقاف الآية (٢١).

وفضلاً عن هذا فإنّنا نمتلك في داخل أرواحنا أحاسيس فطريّة أصيلة أُخرى، منها: ما نراه في نفوسنا من الانجذاب الشديد اتّجاه العلم والمعرفة والاطّلاع.

فهل من الممكن أن نشاهد النظام العجيب في هذا العالم المترامي, ولا تكون لنا رغبة في معرفة مصدر هذا النظام؟

وهل من الممكن أن يجدّ عالم لمدّة عشرين سنة من أجل التعرّف على حياة النمل, ويثابر عالم آخر عشرات السنين لمعرفة بعض الطيور أو الأشجار أو أسماك البحار بدون أن يكون في داخله حافز حبّ العلم؟ هل يمكن أنّهم لا يريدون معرفة مصدر هذا البحر اللامتناهي الذي يشمل الأشياء من الأزل إلى الأبد؟!

نعم, هذه حوافز تدعونا إلى (معرفة الله), العقل يدعونا إلى هذا الطريق, العواطف تجذبنا نحو هذا الاتّجاه, والفطرة تدفعنا إلى هذه الجهة.

(عدم الدليل على وجوده ليس دليلاً على عدم وجوده سبحانه)

« الميرزا ــ عمان ــ إمامي »

السؤال:

قال لي أحد الملحدين: إنّه لا يقطع بعدم وجود الله، بل يقول إنّه لم يقم عنده أي دليل على وجود الله، وأنّه واعتماداً على مبدأ (أصالة البراءة) بريء من

١٤
كلّ التكاليف التي يفرضها الإسلام عليه.

س١: ما هو المقصود بـ(أصالة البراءة) هذه؟ أُريد شرحاً لو سمحتم، ورأي العلماء فيه.

س٢: هل يمكن تطبيق أصالة البراءة في الحالة التي ذكرتها؟ أي: هل ما يقوله هذه الشخص صحيحاً اعتماداً على حالته؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لو سلّمنا جدلاً بدعوى هذا الشخص أنّه لم يقم لديه دليل على وجود الخالق تبارك وتعالى، وفرضنا أنّه بصدد الدليل العقلي لا الدليل مطلقاً؛ لأنّ الدليل ليس منحصراً بدليل العقل، كما هو واضح؛ إذ من جملة الدليل على وجود الله عزّ وجلّ هو الدليل الوجداني الفطري الذي أرشد إليه سبحانه في القرآن الكريم: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾(١)، وإنكار هذا الدليل مكابرة لا تصدر من إنسان صحيح الفطرة..

فمع غضّ النظر عن سائر الأدلّة، ما عدا الدليل العقلي، نقول: إنّ أصالة البراءة لا تجري هنا؛ إذ هي تجري بعد ثبوت الخالق المشرّع، ثمّ الشكّ في أصل التكاليف الشرعية، فبناء على ما تنصّ عليه هذه القاعدة العقلية (أصالة البراءة) بـ(قبح العقاب بدون البيان)، يجوز للإنسان أن يُجري هذا الأصل لنفي التكاليف الشرعية التي يشكّ في أصل تشريعها من قبل المولى.

١- إبراهيم (١٤): ١٠.

١٥
وبعبارة أُخرى: فإنّ أصالة البراءة إجراؤها فرع الاعتقاد بوجود المشرّع، وفي حال عدم القطع بوجوده بسبب عدم الدليل لا يصحّ إجراؤها أصلاً؛ لأنّ موضوعها الشكّ بوصول التكليف من قبل المولى لا الشكّ في وجود المولى، ومن هنا يعلم بأنّ هذا الملحد مخطئ جدّاً في تطبيقها في هذا المورد.

ولكن الصحيح هو إجراء أصالة الاشتغال (تنزّلاً على صحّة الاستعمال بهذا المعنى هنا)، بل العقل يلزمه أن يجري أصالة الاحتياط (أي: الاشتغال)، فإذا احتمل وجود الخالق ولم يثبت وجوده لديه بدليل، فالعقل يلزمه أن يحتاط فيبني على وجوده؛ إذ أنّه إذا بنى على عدم وجوده وظهر له بعد ذلك (في الآخرة) أنّه موجود؛ فإنّه سوف يكون مستحقّاً للعقاب، لعدم عمله بمقتضى الاحتياط العقلي؛ لأنّ العاقل من يقدّم دفع الضرر المحتمل على جلب المنفعة المحتملة, ودفع الضرر المحتمل هو: البناء على وجوده والعمل على طبق تكاليفه ما دام أنّه قد توعّد العاصين بالعقوبة والعذاب.

تعليق (١):

« الميرزا ــ عمان ــ إمامي »

شكراً جزيلاً على هذا الردّ الجميل.

يردّ علَيَّ قائلاً: إنّ أصالة الاشتغال هذه لا يصحّ تطبيقها؛ لأنّها تقع بعد ثبوت التكاليف وليس قبلها.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

١٦
إنّا لا نقصد من (الاشتغال) مصطلح الاشتغال في باب الأُصول العملية، والمراد منه هنا: أصل الاشتغال الشرعي، وإنّما نريد: أنّ العقل يحكم خوفاً من العواقب المحتملة بالاحتياط عقلاً. ويصطلح عليه: (دفع الضرر المحتمل)، وهو: أحد الأدلّة على وجوب البحث والمعرفة عن الله، إضافة لدليل (شكر المنعم)؛ فلاحظ!

ولعلّ مورد الخلط هو مجاراتنا مع السائل في ما ذكره من الألفاظ؛ فعبّرنا عنه بـ(الاشتغال) ولم نتقيد بالمصطلح العلمي.

تعليق (٢):

« الميرزا ــ عمان ــ إمامي »

في الواقع قال لي:إأنّه يتّبع القاعدة الأُصولية المسمّاة بـ(الاستصحاب)، وليقرّب المعنى فقط ذكر القاعدة الفقهية: أصالة البراءة.

وسؤالي هو: ما هي هذه القاعدة الأُصولية المسمّاة بـ(الاستصحاب)؟ لو شرحتموها لي؟

وثانياً: ماذا تضيفون إلى جوابكم بعد هذا؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

اعلم أنّ الاستصحاب باب واسع في علم الأُصول، وتوجد له تعريفات متعدّدة بحسب المبنى، ولكن الأقرب في بيان المراد منه هو: ((كون الحكم متيقّناً في الآن السابق مشكوكاً في الآن اللاحق، فيؤخذ بالحكم المتيقّن ولا

١٧
يعتني بحالة الشكّ))(١).

وقد أجمله بعض الأُصوليين في عبارة واحدة بسيطة هي: ((إبقاء ما كان على ما كان))، ومعناه: حكم الشارع ببقاء المتيقّن على حالة في ظرف الشكّ، أو هو: لزوم البناء على بقاء اليقين في حالات الشكّ, وذكر الأُصوليون للاستصحاب أقساماً عديدة، لسنا الآن بصدد ذكرها..

ولنضرب على كيفية إجراء هذا الأصل المثال الآتي: فلو أنّ شخصاً كان على يقين من طهارته وشكّ في انتقاضها بحيث إنّه لا يعلم دوام حالة الطهارة السابقة أم زوالها، فإنّه حينئذٍ يستصحب الطهارة، وهي حالة اليقين السابق ولا يعتني بشكّه، فيرتّب أثر الطهارة، ويحقّ له مثلاً (إن كانت طهارته السابقة بسبب الوضوء) أن يصلّي من دون الحاجة إلى طهارة جديدة أو وضوء جديد.

وقد ذكرت أنّ هذا الشخص يجري هذه القاعدة لأجل نفي التكاليف الشرعية، وهذا لا يصحّ؛ لأنّها أيضاً، كأصالة البراءة وأصالة الاشتغال، موضوعها يتحقّق بعد التيقّن من وجود المولى والشكّ في التكليف، ومع ذلك فإنّ هذا الملحد حسب الفرض متردّد وشاك في وجود الله عزّ وجلّ، ومعنى ذلك: أنّه لم تكن لديه حالة سابقة كان متيقّناً فيها من عدم وجوده تعالى، بل الأمر بحسب الواقع بالعكس تماماً؛ لأنّ شكّه بوجود الله تعالى قد حصل بعد يقين سابق بوجوده, لأنّه إنسان والإنسان بفطرته يؤمن بوجود الخالق تبارك وتعالى، وأمّا الشكّ فإنّه قد تسرّب إليه بعد ذلك من جهة أُخرى، كاختلاطه بقوم من الملاحدة

١- انظر في تعريف الاستصحاب: فرائد الأُصول، للأنصاري ٣: ٩ المقصد الثالث، المقام الثاني: الاستصحاب.

١٨
أو مطالعته لكتب الكفرة، كالفلسفة الماركسية والوجودية (الملحدة) والوضعية، وغيرها من الفلسفات الدهرية والمادّية، فهذا الشكّ الذي حصل له بعد اليقين لو أراد أن يطبّق فيه الاستصحاب لكان يجب عليه أن يبني على حالته السابقة، وهي: الإيمان، فيستصحب الإيمان ولا يعتني بشكّه.

ولو سلّمنا بأنّ هذا الرجل لم يكن لديه يقين أصلاً بوجود الله تعالى، بل وجد منذ أوّل أوانه ونشأته شاكّاً، ففي هذه الحالة لا يتمكّن أيضاً من إجراء أصل الاستصحاب؛ لأنّ الاستصحاب بالمعنى الذي ذكرناه يفتقر إلى وجود يقين سابق لكي يستصحب، وليس هناك ثمّة يقين عند هذا الملحد الشاك لكي يستصحبه.

ويجب أن نلفت انتباهك إلى أمر مهم! وهو: أنّ أصل الاستصحاب المصطلح ليس عقلياً وإنّما هو شرعي، فلا يصحّ منه إجراءه إلّا بعد الاعتقاد بوجود المشرّع عزّ وجلّ.

والاستصحاب في حقيقته يرجع إلى معنى: البراءة الأصلية، التي تحدّثنا عنها في الجواب السابق؛ لأنّ معناه ليس إلّا نفي التكاليف اللاحقة على حالة الشكّ والبقاء على الحالة السابقة، وذلك هو البراءة الأوّلية، كما لا يخفى.

وقد أوضحنا لك أنّه لا يحقّ له الاستناد إلى أصالة البراءة؛ فراجع!

تعليق:

« الميرزا ــ عمان ــ إمامي »

لنقل: إنّ شخصاً في بداية بحثه عن الحقائق وعن وجود الله بالطرق العقلية؛ فهو لا بدّ له من أن يحتمل وجوده في البداية، وهذا بديهي لا نقاش فيه، ولكنّه يرى أنّ هناك نقائض معنونة لما بنى عليها ذلك الاحتمال..

١٩
فمثلاً: هو يحتمل وجود الصانع لما يراه من موجودات وروعة الكون، أو مثلاً: له إلمام في بعض العلوم التجريبية، ولكنّه يعرف أنّ الملاحدة لهم كلام مناقض في كلّ هذه المجالات بغضّ النظر عن صحّتها أو بطلانها.

وقلت: (يعرف)؛ لأنّه لم يقف على حقيقة ما يقولونه، أو لم يبحث فيه، فهذا ممّا لا شكّ فيه لن يريحه ــ أي: وجود نقيض وإن كان لم يقف على حقيقته ــ فحسب أصالة الاحتياط بأنّ هذا الشخص الذي يحتمل وجود الله عليه أن يعمل بموجب هذا الاحتمال باعتبار أنّ العقل يقول بتجنّب الضررــ وهو عقاب الله ــ ولو كان محتملاً.

ولكن صاحبنا قد يقول: إنّ العقل أيضاً يقول: إنّ الله لن يعاقبه؛ لأنّه ليس على يقين، بل على احتمال، وهذا الاحتمال يقابله عنوان يناقضه، واليقين يحصل بنفي النقيض بعد الاطّلاع على حقيقته.

فماذا تقولون جزاكم الله خيرا؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ العقل يرشد إلى لا بدّية ملاحظة الاحتمال الذي يستتبع عقاباً، وخصوصاً إذا كان الضرر المترتّب على هذا العقاب كبيراً، أي: كان الضرر المحتمل كبيراً، ومهما كبر ضرر المحتمل فإنّ الاحتمال حتّى لو كان صغيراً لابدّ من رعايته والنظر فيه والاحتياط له لئلا يكون صحيحاً، وبالتالي يقع في ذلك الضرر الكبير، ولعلّه ليس هناك ضرر أكبر من عذاب أليم خالدي، فالاحتياط له أمر لا بدّ منه حتّى لو كانت نسبة الاحتمال قليلة جدّاً.

أمّا الاحتمال الآخر الذي يتولّد من قول الملاحدة فإنّه لا ينبغي رعايته ولا

٢٠