×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

ندوات مركز الأبحاث العقائدية ج 9 / الصفحات: ٢١ - ٤٠

وعلى أي حال فإنّ تعبيرنا بأنّ الإمام يتخلى، هومن باب التنزّل في البحث ومجاراة للقوم؛ إذ الأولى أن يقال: إنّ الناس اعرضوا عن رياسته الدنيوية، وقد علم ممّا سبق أنّه لا يجب على الإمام تحصيل هذه الرياسة بأيّ نحومن الأنحاء؛ لأنّها عرضية له(عليه السلام) .

نعم إنّ خلافة أمير المؤمنين(عليه السلام) الظاهرية سُرقت، وغصب حقّه، لكن هذا لا يعني أنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) قد تخلّى عن خلافتهِ وإمامتهِ التشريعية والتكوينية، بل وحتى إمامتهِ السياسية؛ لأنّه(عليه السلام) كان ينتظر من يقوم معهُ حتى يكون حاكماً سياسياً، مضافاً إلى كونه حاكماً تكوينياً وتشريعياً.

شمس الإمامة

حديثنا يدور بشأن مفهوم (الإمام) باعتبار المراحل الثلاثة، يعني: الإمامة التشريعية، والإمامة الاجتماعية السياسية، والإمامة التكوينية، وقد تكلمنا في المرحلة الأولى والثانية، فلا نطيل عليكم ونبدأ بالمرحلة الثالثة بنقل حديث عن الإمام الرضا(عليه السلام) .

ورد عن الإمام الرضا(عليه السلام) أنّه قال: >الإمام كالشمس الطالعة للعالم<(١).

هذا حديث قصير، كلماته قليلة، ولكن الله تعالى أعطى أهل البيت(عليهم السلام) جوامع الكلم، ما معنى جوامع الكلم؟ جوامع الكلم يعني: كلمة قصيرة ولكن من ورائها وفي بطنها خزائن من العلم والمعرفة.. هي كلمة قصيرة لكن يمكن

١- أصول الكافي ١: ٢٠٠.

٢١
أن نعمل عن هذه الكلمة عشرات المحاضرات، بل نتكلّم عشرات الساعات، بل أشهر.. هذه تسمى جوامع الكلم.

ما هو وجه الشبه بين الشمس وبين الإمام والإمامة؟

وفي الجواب نقول: تعلمون أنّ القرآن يحمل وجوهاً، وحسب ما توصلت إليه أرى أنّ وجوه القرآن غير متناهية؛ لأنّ القرآن الكريم كما في حديث الثقلين حبلٌ ممدود من السماء إلى الأرض.. طرفٌ منه بيد الناس يمسكوه، وهو: القرآن الكريم؛ الذي يتمثل بأهل البيت(عليهم السلام) ، والطرف الآخر بيد الله تعالى.

هذا يعني أنّك بالنسبة لمعاني القرآن عندما تأخذ الظاهر ـ باعتبار أنّ ظواهر القرآن حجة ـ يجب أن تعلم أنّ كلّ ظاهر لهُ باطن بلا شك؛ لأنّ الظاهر والباطن من سنخ التضايف، ولا يمكن أن يكون ظاهراً من دون باطن، كما

لا يمكن أن تجد باطناً من دون ظاهر؛ لأنّ المعاني المتضايفة كالأبوة والبنوّة هي كالعلة والمعلول، فلكل ظاهر باطن، وأنت بمعرفتك وبعلمك وبتقواك وبإلهامك من الله سبحانه وتعالى وبالعلم الإلهي تريد أن تصل إلى باطن القرآن؛ الذي لا يمسّه إلا المطهرون، وهم الأئمة(عليهم السلام) ، لن يفترقا عنه كما في حديث الثقلين.

وعلى أساس هذا الاتحاد بين القرآن والعترة يمكن أن يقال: إذا كان القرآن يحمل وجوهاً ويحمل معاني بدون نهاية، فكذلك كلام الأئمة(عليهم السلام) يحمل هذه المعاني أيضا بدون نهاية، فعندما يقول الإمام الرضا(عليه السلام) : الإمام كالشمس الطالعة، الكاف كاف التشبيه، وكاف التشبيه معناه: أنّ هناك مشبّه

٢٢
ومشبّه به، وأينما يكون المشبه والمشبه وأداة التشبيه فلا بدّ من وجه شبه..ما هو وجه الشبه؟

لم يذكره الإمام هنا، وهذا معناه أنّه(عليه السلام) فوّض الشرح إليكم أيها العلماء، إليكم يا شيعة أمير المؤمنين(عليه السلام) ، كي تفكّروا لماذا الإمام كالشمس الطالعة؟

ربما هناك معاني تتبادر وتنصرف ابتداء، لا بأس، لكن هذا لا يعني على أنّه يحجب عن المعاني الأخرى، والذي توصّلتُ إليه بفكري القاصر أنّ هناك خمسين وجه شبه بين الإمام وبين الشمس الطالعة، ومن الصعب أن أذكر كلّ هذه الوجوه، إلاّ أنّه أذكر بعض الوجوه بما يفسح لي الوقت أن شاء الله.

(١) الشمس بالأفق الأعلى، والإمام أيضاً بالأفق الأعلى، فكما أنّ الشمس بالأفق الأعلى ولا يمكن لأحد أن يدنومنها، فكذلك الإمام كالشمس الطالعة في الأفق الأعلى.

(٢) الشمس تشرق على الجميع وينتشر ضوؤها على العالم، والإمام كذلك، يشرق على الجميع وينتشر ضوؤهُ للجميع، هذه الإمامة التكوينية؛ لأن الشمس تشرق على الجميع تكوينياً، فالإمام كالشمس الطالعة في إمامته التكوينية، فيكون حينئذٍ علمه وفضلهُ للجميع كالشمس.

(٣) للشمس خواص كثيرة وفوائد جمّة وعوائد عامّة؛ منها ما لا يقف عليها إلاّ الخواص وأصحاب الخبرة؛ الذين لهم علم بالشمس، وكذلك الإمام.. الشمس هي مقياس وميزان للنظم والتنظيم في نفسها وفي غيرها،

٢٣
كتنظيم أوقات الصلاة، كما ورد في الحديث الشريف: (... فلا تُعرف مواقيت الصلاة إلاّ بالشمس)(١)، وكذلك الإمام إنّما يكون مقياس النظم، ومقياس معرفة الأشياء.

(٤) لا يمكن النظر إلى الشمس مستقيماً؛ لأنّه يورد الرمد والعمى، وكذلك لا يمكن للإنسان أن يصل إلى حقيقة الإمامة التكوينية، بل يعرف الإمام من آثاره، كما نعرف الشمس من آثارها.. أمّا حقيقة الشمس وجوهرية الشمس وماهية الشمس، فلا يمكن لعامّة الناس الوصول إليها، وكذلك الإمام، فلا يعرفه إلاّ من كان عالماً بحقيقة الإمام، وهو: الله سبحانه وتعالى، ومَن علّمهُ الله تعالى كالنبي الأعظم(صلى الله عليه وآله) .

(٥) إنّ نور الشمس وما فيها من الآثار الوجودية تستمدُ من الله تعالى، وأنّها قائمة ذاتاً بالله تعالى لا بالخلق، وكذلك الإمام يستمد النور من الله تعالى.

(٦) الشمس مستقلة في عطائها من النور والدفء والحرارة وغيرها من العطاءات والفيوضات الربانية؛ التي لا يعلمها إلاّ الله سبحانه وتعالى، وكذلك الإمامة، فإنّها حُجّة الله البالغة في آثارها وفوائدها، فدليلها معها، كما يُقال: إنّ الشمس دليلها معها.

(٧) إنّ الشمس آية الله الكبرى في منظومتها ومجراها، كما قال في الحديث الشريف: (جعل الله تعالى شمسها آية مبصرة لنهارها) (٢)، فكذلك الإمام، كما نزور مولانا أمير المؤمنين(عليه السلام) في زيارته؛ إذ نقول: (السلام عليك

١- بحار الأنوار ٦٥: ٣٩٠.

٢- نهج البلاغة ١: ١٦٧..

٢٤
يا آية الله العظمى) (١)، والأئمة(عليهم السلام) كلّهم آيات الله العظمى.

(٨) الشمس مستغنية عن الكل في نورها وفي عطائها، والكل يحتاج إلى نورها وحرارتها، وكذلك الإمام، فإنّ من الأدلة العقلية على إمامة أمير المؤمنين(عليه السلام) بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) بلا فصل، هو: احتياج الكل إليه واستغناؤه عن الكل، وهذا دليلٌ على أنّه إمام الكل في الكل.

(٩) الشمس الطالعة محبوبة الخلائق، ولا يتعب الناس من طلوعها وشروقها، ولا يمكن لأحد أن ينكر فضلها، وكذلك الإمام.

(١٠) إنّ الشمس هي المحور والمركز في المنظومة الشمسية، وكذلك الإمام فإنّه هوالمحور في الخلائق.

(١١)إنّ الشمس لا نظير ولا بديل ولا مثيل لها في مجموعتها ومنظومتها، وكذلك الإمام.

(١٢) إنّ الشمس بها وفيها ومنها حياة ونجاة الطبيعية، ولولا الشمس لجمدت الأرض، ولمات الأحياء كلّهم، وانعدمت الحياة النباتية والحيوانية والإنسانية كلّها، وكذلك الإمام، فلولاهُ لكان العدم في هذا الكون، فبوجودهِ ثبتت الأرض والسماء.

(١٣) إنّ وجود الشمس محسوس ونافع وإن غابت وراء السحاب والغيوم، وكذلك في فلسفة غيبة الإمام ورد هذا المعنى؛ حيث إنّ الإمام ينتفع الخلق منهُ حتى ولوكان غائباً، كانتفاع الشمس لوكانت وراء السحاب، فكيف أنّ الأرض ومن في الأرض ينتفع من تلك الشمس، فكذلك الإمام كالشمس

١- إقبال الأعمال ٣: ١٣٠.

٢٥
الطالعة ينتفع الكل من طلوعها، تنتفع المعادن والنباتات والحيوانات والإنسان وغير ذلك منه.

(١٤) ينتظر الكل طلوع الشمس في كل زمان ومكان، وكذلك الإمام ينتظر الكل ظهوره وشروق شمس الإمامة.

(١٥) الشمس الطالعة ذاتُها بلا عيب، بل هي التي تزيل العيوب وتشفي الأمراض والأسقام، وكذلك الإمام، كما نقول في الزيارة الرجبية خطاباً لهم(عليهم السلام) : (بكم يجبر المهيض ويُشفى المريض)(١)، لأنّ الإمام عدل القرآن، فكما أنّ القرآن فيه شفاء، فكذلك الإمام فيه وفي كلامه الشفاء.

(١٦) الشمس مع الكل وعند طلوعها يدّعي الجميع أنّ الشمس في بيتهِ إلاّ أنّها منفصلة عن الكل؛ لعلوّها وشموخها، وكذلك الإمام.

(١٧) الشمس الطالعة منها نور الكواكب، كنور القمر، وكذلك الإمام تصدر كل الأنوار من نور الإمام؛ لأنّ الله تعالى نور السماوات والأرض، وهذا النور الإلهي يتجلّى في الإمام، وينوب القمر عن الشمس في الليل الأظلم، وكذلك الإمام ينوب عنهُ في أيام الغيبة الفقهاء والمراجع العظام؛ لأنّهم يكونوا بمنزلة القمر لشمس الإمامة.

(١٨) الشمس الطالعة طلوعها وشروقها من جهة واحدة، ومن مخزونٍ واحد، وكذلك الإمام(عليه السلام) ، فإنّ كل ما عندهُ من الواحد الأحد، الفرد الصمد.

(١٩) إنّ الشمس كروية الشكل، تُعطي النور، وتضيء من كل جهاتها، وكذلك الإمام، فإنّه من كل جهاتهِ يكونُ ذا نور.

١- مصباح المتهجّد: ٨٢١ .

٢٦

(٢٠) الشمس لها الأثر البليغ والثقيل في معطياتها وتداعياتها، وأنّها في الحر مثلاً ربّما تُحرق الجلد في بعض الأحيان إذا كانت حارّة، وكما أنّ فيها شفاء لكن فيها أيضاً خسارة، وكذلك الإمام يكون رحمة للمؤمنين ولكن أيضاً فيه خسارة للظالمين،كالقرآن الكريم.

(٢١) الشمس تذيب الجليد وتُسخن الماء، وكذلك الإمام كالشمس الطالعة، حبّه ومحبّته وولايته تذهب الذنوب، وتزيل المعاصي، وتزيد في الثواب، فقد ورد إنّ حب الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) حسنة لا تضر معها سيئة(١).

نعم إنّ شمس الإمامة باطنها عميق وظاهرها أنيق، كالقرآن الكريم، فلا بدّ أن نتعمّق في الإمامة وفي شمس الإمامة الطالعة.. انتبهوا لم يقلْ(عليه السلام) : كالشمس الشارقة، وإنّما قال: كالشمس الطالعة، والطالعة أعمّ من المشرق والمغرب، فالإمام لا ينتمي إلى المشرق أوإلى المغرب، بل الإمام للكل، كالشمس الطالعة في رابعة النهار، وعلى الشمس الظاهرة في الظهر مثلاً يصدق تعبير (الشمس الطالعة)، لكن لا يصدق ذلك على الشمس بعد شروقها أوقبل غروبها.

(٢٢) الأرمد والأعمى لا يرى نور الشمس، لكن لا يضُر ذلك بالشمس، وكذلك الإمام، فمن كان أعمى عن معرفة إمام زمانه، مات ميتةً جاهلية وكفر وضلال ونفاق(٢)، فلا يضر إنكاره الإمامة والخلافة بالإمام؛ لأنّه كالشمس

١- ينابيع المودّة للقندوزي ١: ٣٧٥.

٢- إنّ حديث: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية) عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) وما بمعناه قد بلغ في مصادر الحديث عند الشيعة حدّ التواتر والاستفاضة وهوكما نعلم آية صحّة الحديث من حيث الصدور، مضافاً إلى أنّ جلّ الإسناد في هذا المجال صحيحة السند ومعتبرة وقابلة للاعتماد، وإليك مصادر جملة من هذه الروايات: (الكافي ١: ٣٧٢، ٣٧٧، ٣٧٨ ـ محاسن البرقي: ٩٢، ١٥٣، ١٥٤، ١٥٥، ٥٥٦ ـ إكمال الدين ٢٣٠، ٢٣١، ٣٧٥ ـ غيبة النعماني: ٦٢، ٦٣، ٦٥، ٦٦ ـ رجال الكشي: ١٥٣، ٢٦٦ ـ عيون الأخبار: ٢١٩، ٢٦٥ ـ معاني الأخبار: ١١٢ ـ علل الشرايع: ١٤ ـ ثواب الأعمال: ١٩٨ ـ بصائر الدرجات: ١٥٠ ـ الاختصاص: ٢٨٦ ـ ٢٦٩ ـ كنز الكراجكي: ١٥١).

٢٧
الطالعة وبراهين ولايته ساطعة.

(٢٣) الشمس خالصة في العطاء فلا تَمُن على أحد في عطائها ونورها ودفئها وحرارتها، وإنّما هي آية الجود والكرم، وكذلك الإمام(عليه السلام) ؛ إذ يتجلّى الجود والكرم الإلهي في عطائه وفيضه.

(٢٤) إنّ الشمس طاهرة مطهِّرة في ذاتها وفي عطائها، وفي الفقه الإسلامي الشمس من المطهِّرات، تطهّر الأرض النجسة أوالحائط مثلاً، وكذلك الإمام يكون سبباً للتطهير، ولذا ورد في أحاديثنا وفي أحاديث أهل سنة الجماعة أنّ حب الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) علامة طيب الولادة وطهارة المولد، فقد أخرج ابن عساكر(١) عدّة أحاديث تثبت هذا المعنى منها:

١ ـ عن عبادة بن الصامت قال: كنا نبور (ننور) أولادنا بحب علي بن أبي طالب، فإذا رأينا أحداً لا يحب علي بن أبي طالب علمنا أنه ليس منا وأنه لغير رشدة.

٢ ـ وعن محبوب بن أبي الزناد قال: قالت الأنصار: إن كنا لنعرف

١- تاريخ مدينة دمشق ٤٢: ٢٨٣.

٢٨
الرجل إلى غير أبيه ببغضه علي بن أبي طالب.

٣ ـ وفي لفظ آخر عن ابن أبي الزناد قال: قالت الأنصار: إن كنا لنعرف الرجل لغير أبيه ببغضه علي بن أبي طالب.

٤ ـ عن أنس قال:....... (في حديث طويل وفيه): يا أيها الناس امتحنوا أولادكم بحبه، فإن علياً لا يدعوإلى ضلالة ولا يبعد عن هدى، فمن أحبه فهومنكم ومن أبغضه فليس منكم.

ثم قال أنس بن مالك: وكان الرجل من بعد يوم خيبر يحمل ولده على عاتقه ثم يقف على طريق عليٍّ، وإذا نظر إليه بوجهه تلقاه وأومأ بإصبعه: أي ابني تحب هذا الرجل المقبل؟ فإن قال الغلام: نعم؛ قبله، وإن قال: لا؛ خرق به الأرض وقال له: إلحق بأمك ولا تلحق أبيك بأهلها(١) فلا حاجة لي فيمن

لا يحب علي بن أبي طالب.

٥ ـ ثم ذكر ابن عساكر (ص ٢٨٩) عن ابن عباس حديثاً طويلاً في فناء الكعبة وقصتهم في ظهور إبليس هناك حتى قال إبليس بعد أن أراد الإمام(عليه السلام) قتله: ما لي ولك يا ابن أبي طالب؟ والله ما أبغضك أحد إلا قد شاركتُ أباه فيه، إقرأ ما قاله الله تعالى: ﴿ وَشَارِكهُم فِي الأَموَالِ وَالأَولاد﴾(٢).

ثم قال ابن عساكر بعد هذا الحديث: قال الخطيب (البغدادي): هذا الحديث حسن ورجاله كلهم ثقات إلا ابن أبي الأزهر.

٦ ـ وذكر رواية أخرى عند الصفا وحينما أراد الإمام(عليه السلام) قتله قال

١- كذا في المصدر.

٢- الإسراء:٦٤.

٢٩
إبليس لعنه الله: ما هذا جزائي منك. قال (الإمام(عليه السلام) ): وما جزاؤك مني يا عدوّ الله؟ قال (إبليس): والله ما أبغضك أحد قط إلا شاركتُ أباه في رحم أُمه.

٧ ـ وعن طاووس قال: قلت لعلي بن حسين بن علي: ما بال قريش

لا تحب علياً؟

فقال: لأنه أورد أولهم النار وألزم آخرهم العار.

فالإمام كالشمس الطالعة طاهر ومطهّر، وعلامة طهارة المولد حب أهل البيت(عليهم السلام) .

(٢٥) الشمس أمينة في عطائها وفيضها المقدّس، فمن جهة فاعليّتها هي للجميع، ولكن الاختلاف إنّما يكون من جهة القابل، وكذلك الإمام كالشمس الطالعة، فعاليتهُ وعطاؤه للجميع على حد سواء، ولكن منهم سلمان، ومنهم أبوذر، ومنهم عمار؛ الذي عنده سبع درجات من الإيمان، كل واحد بقابليّتهِ يستفيد من إمامه؛ لأن الإمام كالشمس الطالعة سخي في العطاء، ولا يبخل بنوره على أحد.

(٢٦) الشمس نقية الذات والنقاء أعم من الطهر والطيب، الطيّب يعني: مالا يُنفرُ منه، والطاهر يعني: ما لا يكون نجساً، فالطهارة في مقابلها النجاسة، والطيّب في مقابله الخبيث، فالنقي هو: الذي يجمع الطيّب والطاهر، وكلّ من كان طيّباً طاهراً فيكون حينئذٍ نقياً، وكذلك الإمام.

(٢٧) الشمس زينة للخلق وزينة الله في الأرض، وكذلك الإمام.

(٢٨) إنّ عدالة الشمس يُضرب بها المثل، وكذلك الإمام، فإنّه العادل؛ الذي يتجلّى العدل الإلهي فيه.

(٢٩) الشمس تبيان وبيان يُعرف بها الشاخص من الظل، وكذلك الإمام

٣٠
يكون هوالمشخص والفارق بين الحق والباطل، والفاروق والصدّيق الأعظم هو: أمير المؤمنين(عليه السلام) ،كما ورد في أحاديثنا الشريفة(١)، ولكن سُرق هذا الاسم لغيره.

وقت الندوة قد انتهى ولكن الموضوع لم ينته بعد، وهناك وجوه أخرى يمكن أن نشير إليها في ندوات أخرى بشأن وجه الشبه بين الشمس الطالعة والإمام المعصوم إن شاء الله تعالى.

وأخيراً أقول: ورد في الحديث الشريف: (كُنْ كالشمس تطلع على البِر والفاجر)(٢)، فإنّ الشمس ليس فيها فئوية وقومية وحزبية أوما شابه ذلك، وكذلك الإمام المعصوم.. ويجب أن يكون وريث الإمام كذلك، وأنتم العلماء ورثة الأنبياء، فالمفروض أن يكون العالم كالشمس، يضيء على الخلق، وهذا المعنى ورد في أحاديثنا الشريفة، وبما أن العلماء ورثة الأنبياء، والأنبياء والأوصياء كالشمس الطالعة، فالمفروض أنّ كل واحد منّا يكون في حياتهِ كالشمس الطالعة للبِر والفاجر، فيواصل سموالأخلاق والطيب مع الجميع على حدٍ سواء.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا أن نصل إلى قسط واسع من معرفة الله عزّ وجلّ، ومعرفة رسوله(صلى الله عليه وآله) ، ومعرفة أئمّتنا الأطهار(عليهم السلام) ، ومعرفة القرآن

١- انظر: بصائر الدرجات للصفار: ٧٣، الإمامة والتبصرة لعلي ابن بابويه القمي: ١١١، علل الشرائع١: ١٧٧، عيون أخبار الرضا ( عليه السلام) ٢: ١٦، معاني الأخبار: ٤٠١، كتاب سليم بن قيس الهلالي: ٢٥٦، فضائل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لابن عقدة الكوفي: ١٩، مناقب الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) لمحمد بن سليمان الكوفي ١: ١٥٢.

٢- بحار الأنوار ٩٥: ١٦٧.

٣١
ندوات مركز الأبحاث العقائدية ج ٩ » مركز الأبحاث العقائدية » (ص ٣١ - ص ٦٠)الكريم، وأسأل الله لي ولكم التوفيق والتسديد..

أقولُ قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

٣٢

الأسئلة والأجوبة

سؤال: ما هوالمقصود من الإمامة التشريعية، وهل يأتي الإمام بشرع لم يأت به النبي(صلى الله عليه وآله) ، أم أنّه فقط مجرد حافظ لما جاء به رسول الله(صلى الله عليه وآله) ؟

وهل يحجب الإمام عن إمامته التشريعية عندما يغيّب عن الإمامة السياسية؟

الجواب: إنّ الإمام لا يأتي بشرعٍ جديد، ولكنّه يظهر المخفيات من شرع النبي(صلى الله عليه وآله) ، بمعنى أنّه لم يظهر بعض الأشياء لظروف خاصة، ومثال ذلك التوسعة في متعلّق الخمس في عصر الإمام الصادق والإمام الباقر(عليهما السلام) ، حيث ظهر أنّ الخمس ليس فقط في الغنيمة الحربية، بل في كل ما يصدق عليه الغنيمة.

إذن هذا الحكم كان من قبل موجوداً، لكنّه لم يظهر إلاّ في عصر الصادقين(عليهما السلام) ، وكذلك عندنا في أحاديثنا الشريفة أن هناك أحكاماً لازالت لم تظهر، وإنّما ستظهر عندما يظهر صاحب الأمر(عليه السلام) ، وذلك للظروف الخاصة.

فإذن عندما نقول: الإمام حافظ للشريعة، أومُبين للشريعة، فإنّما نقصد بهذا المعنى ما يكون به الحفاظ على الشريعة بالفعل، وهذا ليس بمعنى أنّه أتى بشرعٍ جديد، بل هوشرع النبي(صلى الله عليه وآله) ، كما ورد عنهم(عليهم السلام) : (حلال محمّد [(صلى الله عليه وآله) ] حلال أبداً إلى يوم القيامة، وحرامهُ حرام أبداً إلى يوم القيامة)(١).

١- أصول الكافي ١: ٥٨.

٣٣

وعندما نقول: الإمام حافظ للشريعة، هوحافظ بهذا المعنى الأعم، يعني: حافظ ما يكون من الشريعة الفعلية الموجودة، والتي لم تظهر وإنّما تظهر بوقتها، فيكونُ حافظاً لذلك ويظهر ذلك في وقتهِ فيكونُ مظهراً للشريعة، لا أنّه مؤسس لشريعةٍ في قبال شريعة رسول الله(صلى الله عليه وآله) .

وأمّا بالنسبة للسؤال الثاني فنقول: إنّ الإمام في غيبته يكون إماماً في التشريع أيضاً؛ لأنّه كالشمس الطالعة، فكما أنّ الشمس وراء الغيم تحفظ الأرض والكرة الأرضية ومن عليها من الموت، فكذلك الإمام يحفظ الشريعة من الموت في غيبته.

سؤال: قلتم بأنّه يوجد خلاف في تعيين الإمام، هل هو بيد الناس أوبيد الله تعالى، فهل هذا الخلاف يمكن أن يشمل جميع تقسيمات الإمامة الثلاثة: التشريعية، والتكوينية، والسياسية، أويختص بالسياسية؟

الجواب: إنّ الله سبحانه وتعالى نصب الإمام بتمام المعاني سواء كان إماماً في الاجتماع وفي السياسة، أوإمام في التشريع أوالتكوين، فكلّها بيد الله سبحانه وتعالى، وبنص من النبي(صلى الله عليه وآله) ؛ حيث نص عليهم بعددهم وأسمائهم وألقابهم، إلاّ أنّه بالنسبة إلى الإمامة السياسية إنّما كان مورد امتحان واختبار، فإن قبلها الناس كانوا من السعداء، وإن أنكروها فهم من الأشقياء؛ لأنّ الإمام سفينة النجاة من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق(١).

١- جاء في كتاب سليم بن قيس الهلالي: ٤٥٨ : قال سليم بن قيس: بينما أنا وحنش بن المعتمر بمكة إذ قام أبوذر وأخذ بحلقة الباب، ثم نادى بأعلى صوته في الموسم: أيها الناس، من عرفني فقد عرفني ومن جهلني فأنا جندب بن جنادة، أنا أبوذر . أيها الناس، إني سمعت نبيكم يقول: ( مثل أهل بيتي في أمتي كمثل سفينة نوح في قومه، من ركبها نجا ومن تركها غرق، ومثل باب حطة في بني إسرائيل ) . أيها الناس، إني سمعت نبيكم يقول: ( إني تركت فيكم أمرين، لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وأهل بيتي... ) إلى آخر الحديث.

٣٤
وفي انتهاء هذه الندوة المباركة اسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبّتنا وإيّاكم على ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) ، وأن يُعطيكم في كل لحظة إلهام جديد في العلم والمعرفة إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

٣٥

(١٢٥) الإجابة عن الأسئلة العقائديّة

الشيخ جعفر السبحانيّ

٣٦

٣٧

بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيد

الحمد لله رب العالمين، بارئ الخلائق أجمعين، والأنبياء والمرسلين، والصلاة والسلام على البشير النذير، والسراج المنير، العبد المؤيّد والرسول المسدد، المصطفى الأمجد، المحمود الأحمد، أبي القاسم محمّد(صلى الله عليه وآله) ، والصلاة والسلام على آلهِ الطيّبين الطاهرين، الهُداة المهديّين، لاسيّما ناموس الدهر وولي الأمر، الحجة بن الحسن العسكري ( عجل الله تعالى له الفرج) .

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾(١).

إنّ الإسلام عقيدة وشريعة، ويراد بالعقائد ما يجب الإيمان بها، كما يُراد من الشريعة ما يجب العمل بها، فالمطلوب في العقائد، هو: الإيمان، والإيمان يحصل من خلال التدبّر والتفكّر، فالإسلام يدعو إلى الإيمان بالعقائد، لكن عن طريق التدبّر والتفكّر.

١- النحل: ١٢٥ .

٣٨
وإنّ نداء الإسلام وخط الإسلام عبارة عن التدبّر والتعقّل أوّلاً، ثم الإيمان بما يفهمه العقل، على خلاف المسيحية؛ التي تقول: الإيمان أوّلاً ثم التعقّل، وهذا هو الخط الفاصل بين الإسلام وسائر الأديان، فالمعارف يجب أن تكون مبنيّة على ما يؤتيه العقل.

لذلك يجب على كلّ مسلم وكلّ إنسان مميّز أو مكلّف، أن يتعلّم العقائد عن طريق التدبّر والتفكّر والبرهنة، وأمّا المسائل الشرعية العملية؛ فهو مخيّر فيها بين أن يكون مجتهداً، أو مقلداً، أو محتاطاً.

ففخرنا هو: تحصيل العقائد عن طريق العلم والأدلّة المتقنة؛ لمن له قدرة التفكّر والتعقّل، وعلى ضوء ذلك انعقدت هذه الجلسة المباركة، للإجابة على الأسئلة العقائدية؛ المطروحة في أوساطنا هذه الأيام، فأنا مستعدٌّ للإجابة على الأسئلة التي لها صلة بهذه المسائل إن شاء الله تبارك وتعالى، حسب ما أعلم وأفهم وأتذكّر.

٣٩

الأسئلة والأجوبة

سؤال: ما هي ضابطة الضروري في الدين، وهل الاعتقاد بالضروريات نسبي؛ يختلف بين الأشخاص، فيكون الأمر ضروريّاً لشخص وغير ضروري لغيره؟

الجواب: الضروري ينسب تارةً إلى الدين، وربّما ينسب إلى الفقه، وهناك عندنا ما يعبّر عنه بضروري المذهب أيضاً.

أمّا (ضروري الفقه)، فهو: ما عُلِمَ بالضرورة في الفقه.. فمثلاً الشيعة الإمامية تعدّ السجود على الأرض أو ما ينبُت منها من ضروريات الفقه. و(ضروري الدين)، هو: الأمر الذي لا بدّ للمسلم الاعتقاد به، بل يخرج الشخص من دين الإسلام إن لم يعتقد بضروريّاته، ولا يصح حينذاك أن يُطلق عليه أنّه مسلم.

فالاعتقاد بالله تبارك وتعالى، ورسالة الرسول الأكرم، وخاتميّته(صلى الله عليه وآله) ، والمعاد، وما يحوم حول هذه الأمور الثلاثة، يعدّ كلّه من ضروريات الدين .

نعم، ربّما يكونُ الشيء ضرورياً بالنسبة إلى شخصٍ وغير ضروري بالنسبة لآخر، لكن لا في هذه الأصول؛ لأنّها مطلقة وغير نسبية، والإيمان بالله تبارك وتعالى، وباليوم الآخر، وبما جاء به النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) على وجه الإجمال، من هذا القبيل.

أمّا الأمور النسبية فتختلف بحسب علم الأشخاص ومعرفتهم بها، فمسألة الحجاب مثلاً تعدّ من ضروريات الإسلام، فمن أنكرها وكان إنكاره لها ملازماً

٤٠