×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

ندوات مركز الأبحاث العقائدية ج 9 / الصفحات: ٦١ - ٨٠

والمسلمين، وأخذل الكفار والمنافقين، وأنصر من نصر الدين، وأخذل من خذل المسلمين، وقوّي وحدة المسلمين، وأدفع عنهم أذى المؤذّين وأذى أعداء الدين، يا الله يا رحمن يا رحيم.. اللهم أجعل كلمتك هي العليا، وكلمة أعدائك هي السفلى، وعجل في ظهور إمام العصر بقية الله الأعظم، الإمام الحجّة، المهدي الموعود، واجعلنا من أنصاره وأعوانه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

٦١
ندوات مركز الأبحاث العقائدية ج ٩ » مركز الأبحاث العقائدية » (ص ٦١ - ص ٩٠)

(١٢٧) وقفات مع دعاء كميل

الشيخ محمّد هادي اليوسفي الغروي

٦٢

٦٣

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم أيها الإخوة المؤمنون ورحمة الله وبركاته.

بارك الله لنا ولكم في مستهلّ شهره المبارك، وجعلهُ لنا ولكم شهر خيرٍ وبركةٍ ورحمةٍ ومغفرةٍ، لنا ولآبائنا ولأمّهاتنا ولذوي الحقوق علينا وإياكم جميعاً، ولعلمائنا الماضين والشهداء في سبيله رحمهم الله أجمعين، وأعاده علينا وعلى المسلمين جميعاً بالفرج ورفع هذه الغمم وهذه الغواش التي تغشى البلاد الإسلامية، ولاسيما بلاد العتبات المقدسة في العراق الجريح المظلوم.

وبحُسن حظّي وبحسن نظر أخي الشيخ أبي جعفر الحسون (حفظه الله)، أقول: >أبي جعفر< باعتبار أنّ محمداً ـ كما تعلمون ـ كنيتهُ في أخبار أئمّتنا الأطهار(عليهم السلام) أبو جعفر بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، حيث اختصّت كُنية أبي قاسم أو أبي القاسم برسول الله(صلى الله عليه وآله) خاتم الأنبياء، ثم خاتم الأوصياء الإمام المنتظَر(عليه السلام) في هذه الليلة ـ ليلة الجمعة ـ أي: ليلة النهار المنسوب إليه(عليه السلام) ، فكُرِه الجمع بين اسم محمد وكنية أبي القاسم، ولذلك نرى المحمّدَين في أئمة أهل البيت(عليهم السلام) يكنّى الأوّل منهم بأبي جعفر الأوّل، والثاني بأبي جعفر الثاني.

تمهيد

على كلٍ، بحُسن نظر أخي الشيخ محمّد الحسون دُعيت للمشاركة في

٦٤
هذا المجلس المبارك، في هذا الشهر المبارك، في بركة استهلال هذا المجلس حيث كان في مثل هذه الليلة ليلة الجمعة، وبطبيعة الحال في الأجواء الدينية الإسلامية الشيعية لأتباع مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) حينما تُذكر كلمة >الجمعة<، ولاسيما ليلة الجمعة تتداعى أو يتداعى معها دعاء ليلة الجمعة، دعاء أمير المؤمنين(عليه السلام) الذي علّمهُ صاحبه كميل بن زياد النخعي الهمداني لمّا خرج من مدينة رسول الله(صلى الله عليه وآله) إلى البصرة، ولمّا فتح البصرة، ولمّا كان على أهبّة متاركة البصرة إلى الكوفة، حيث ترك هذا الجانب من العراقَين إلى ذلك الجانب منه.

سبب استشهاد كميل بن زياد

حينذاك ألقى هذا الدعاء على هذا الصاحب الذي قُتل شهيداً على الولاء لأمير المؤمنين(عليه السلام) ، هذا إلى جانب ما جاء عنه(صلى الله عليه وآله) : من مات على حب آل محمد مات شهيداً(١)، ومعنى مات: أي قُتل على الدفاع عن ولاية علي(عليه السلام) ، وعلى الإصرار على الولاية له، وعدم البراءة منه، حيث قُتل كميل ابن زياد بيد الظلوم العسوف الغشوم الحجاج بن يوسف الثقفي، لكن ليس بالحجة الظاهرة وأنّه من خواصّ أصحاب علي(عليه السلام) ومصرٌّ على ولايته وعدم البراءة منه، بل وقعت بيد الحجاج ذريعة سياسية جديدة، وهي أنه اشترك مع سائر القُرَّاء(٢) في جيش عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي

١- تفسير الكشّاف ٣ : ٤٦٧ .

٢- حيث كان يقال حينئذ للشخص قارئ أو مُقرئ ويقصد به معلّم قراءة القرآن الكريم، وكان يجمتع الفقه مع كون الشخص قارئاً، فكان المعنيان كالمتلازمين، ولم نجد شواهد تاريخية تدلّ على أنّ شخصاً كان من القرّاء من دون أن يكون متفقهاً، فغالباً ما كان القُرّاء هم المراجع في المسائل الشرعية والفقهية، وكان كميل بن زياد من هؤلاء التابعين القُرّاء المُقرئين، بل المشهورين بذلك إلى جانب كونه متفقهاً أو فقيهاً، أي: مشتغلاً بالمسائل الفقهية الشرعية، ممارساً لها، معلماً إياها، ومجيباً عنها. (منه حفظه الله).

٦٥
الكوفي، والذي سُمّي بـ (جيش القُرّاء) خارجاً على عامل بني أميّة في العراقَين الحجاج بن يوسف الثقفي.

ونحن نرى أنّ انضمامه إلى هذا الجيش إنّما كان ذريعة، والاّ فلو لم يكن ينضمّ إلى جانب سائر القراء في جيش عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث لكان الحجاج يتذرّع بأي ذريعة اُخرى من أجل القضاء على أمثال كميل بن زياد النخعي كأصحاب يحملون هَمَّ علي(عليه السلام) وهَمَّ ولايتهِ والبراءة من أعدائه، على عكس ما كان يريده أعداؤهم من البراءة من علي(عليه السلام) ، فعمّال بني أميّة كانوا مُصرّين على استعلام البراءة من علي(عليه السلام) ، لكنّ الأمور مرهونة بأوقاتها، وحان الوقت لمّا انضم إلى جيش الكندي ليتذرعِ الحجاج لقتلهِ.

وأمّا عن موضوع البحث فتناسب أو تزامن هذا المجلس مع ليلة الجمعة جعلني أقترح هذا العنوان: (وقفات مع دعاء كميل بن زياد النخعي).

وحيث كان تعليم أمير المؤمنين(عليه السلام) هذا الدعاء لكميل في البصرة بعد فتحها، فقبل أن نقف على مجلس تعليمهِ أو الخبرين في تعليم علي(عليه السلام) هذا الدعاء لهذا الصحابي(١) التابعي نذكر بعض الوقفات المهمّة والجديرة

١- باعتبار صحبته لأمير المؤمنين(عليه السلام)، ولا أريد صحبته لرسول الله(صلى الله عليه وآله) وإن ادّعاها بعض لأنّها لم تثبت. (منه حفظه الله).

٦٦
بالملاحظة من المجلد الرابع من موسوعة التاريخ الإسلامي.

موقف أمير المؤمنين(عليه السلام) مع الربيع بن زياد

من جملة الأخبار الشائعة لأمير المؤمنين(عليه السلام) في البصرة ـ إلى جانب تعليمه أو قُبيل تعليمه لكميل بن زياد ـ خبر آخر لا يخلو من تعليم مهمّ لأمير المؤمنين(عليه السلام) في جانب لا يمكن أن يعتبر على حساب الإسلام من الزهد الذي قد يصبح فيه بعض الانحراف، ومن أولى وأجدر من أمير المؤمنين علي(عليه السلام) بالتعليم والإرشاد والتصحيح لما يقع من تحريف في المفاهيم الفكرية في الإسلام.

والخبر معروف عندكم نقلاً عن نهج البلاغة أو نقلاً عن المرحوم الشريف الرضي (رضي الله عنه) فيما جمعهُ بعنوان نهج البلاغة لأمير المؤمنين علي(عليه السلام) ، فقد كان الربيع بن زياد الحارثي الهمداني وأخوه عاصم ممن نزل البصرة مع أبي موسى الاشعري في بدايات تأسيس البصرة، فاستعملهُ أبو موسى على البحرين ولهُ يومئذٍ خمس وأربعون عاماً، هذا كما في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي الشافعي البغدادي، وقال: اعلم أن الذي رويته عن الشيوخ ورأيته بخط عبد الله بن أحمد بن الخشاب أنّ الربيع بن زياد الحارثي أصابته نشابة في جبينه(١)..

أمّا في نهج البلاغة ـ بناءً على ما بأيدينا من نسخ نهج البلاغة من جمع المرحوم الشريف الرضي ـ استبدل الاسم بالعلاء بن زياد، فابن أبي الحديد

١- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١١ : ٣٥ .

٦٧
يقف كالملاحظة هنا ويقول: وأمّا العلاء بن زياد الذي ذكره الرضى رحمه الله فلا أعرفه لعلّ غيري يعرفه(١)، تأدّباً منهُ وإلاّ فيريد أن يتنكر لهُ تأريخياً وتراجمياً، يقول: هذا ليس صاحب الخبر، وصاحب الخبر هو الربيع بن زياد، لكن حصل سهو أو زلة قلم من المرحوم الشريف الرضي، فبدل أن يقول الربيع بين زياد كتب العلاء بن زياد، وإلاّ فعدم كونه العلاء أمر مفروغ عنه تأريخياً وتراجمياً، وإنّما كان الربيع بن زياد الحارثي وأخوهُ عاصم، وإّنّما ذُكر العلاء في أعداء أمير المؤمنين(عليه السلام) ، وهو غير هؤلاء الأخوة.

وهذا الربيع جُرحَ في البصرة في ركاب أمير المؤمنين(عليه السلام) ، وعاش بعد علي(عليه السلام) عشر سنين، فاستعملهُ زياد بن أبيه لفتوحات خراسان، وبلغهُ قتل حجر بن عدي الكندي، فدعا وقال: اللهم إن كان للربيع عندك خير فاقبضه إليك وعجّل، فلم يبرح من مجلسه حتى مات استجابةً لدعائهِ سنه إحدى وخمسين، أي: بعد عشر سنين من شهادة أمير المؤمنين(عليه السلام) كما في أسد الغابة(٢).

كان هذا الرجل بالبصرة، والتحق بعلي(عليه السلام) ، فأصابتهُ نُشابة كما قلنا، ثم طاب وعاش عشر سنين، وكانت الإصابة في جبينه، فأتاهُ علي(عليه السلام) عائداً(٣)، وهذا هو سبب عيادة أمير المؤمنين(عليه السلام) لهُ في دارهِ(٤)، فقال لهُ: كيف تجدك

١- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١١ : ٣٧ .

٢- راجع: أسد الغابة ١ : ٣٨٦ .

٣- ذكرنا نصّ الحديث عن نهج البلاغة ٢ : ١٨٧ – ١٨٨ .

٤- والتي جاءت مختصرة على عادة المرحوم الشريف الرضي اختصاراً في نهج البلاغة، يقطع مقدمات الأخبار، وأحياناً أواسطها، وأحياناً أواخرها لا لشيء إلاّ للاختصار، واختياراً للنصوص البلاغية البديعة في البلاغة. (منه حفظه الله)

٦٨
أبا عبد الرحمن؟ قال: أجدني يا أمير المؤمنين لو كان لا يذهب ما بي إلّا بذهاب بصرى لتمنّيت ذهابه، وذلك من شدة الوجع لأجل النُشابة في جبينه.

قال(عليه السلام) : وما قيمة بصرك عندك؟ قال: لو كانت لي الدنيا لفديته بها.

قال(عليه السلام) : لا جرم ليعطينك الله على قدر ذلك، إنّ الله تعالى يعطي على قدر الألم والمصيبة وعنده تضعيف كثير، بمعنى أنّه تعالى يجعل الأجر مضاعفاً.

وكانت دار الربيع واسعة، فلما رآى الإمام(عليه السلام) سعة دارهِ قال لهُ: ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا؟! أما أنت إليها في الآخرة كنت أحوج، ثم استدرك أميرالمؤمنين(عليه السلام) هذا المعنى حتى لا يجعل أحد على عهدة أمير المؤمنين(عليه السلام) من هذا الكلام أنّ الإسلام ـ بوصف أمير المؤمنين(عليه السلام) الناطق الرسمي للإسلام ـ يكره سعة الدار بالقول المطلق، فقال(عليه السلام) : وبلى إن شئت بلغت بها الآخرة، تقري فيها الضيف، وتصل فيها الرحم، وتطلع منها الحقوق مطالعها، فإذاً أنت قد بلغت بها الآخرة، أي: إذا استعملت سعة الدار في هذه المخارج الشرعية ـ سواء الواجبة منها أو المستحبة ـ فهذا هو بلوغ الآخرة بهذه السعة في الدار في الدنيا.

موقف أمير المؤمنين(عليه السلام) مع زهد عاصم بن زياد

فلمّا ذكر الإمام(عليه السلام) صلة الأرحام تذكّر الربيع أخاهُ عاصم، إذن!

٦٩
المسألة بين الربيع وعاصم وليس العلاء بن زياد ـ كما في نهج البلاغة الموجود بأيدينا ـ ، عاصم الذي تخلّى عن الدنيا وترك الملائة اللينة، أي: القماش اللين والثياب اللينة ولا سيما العباءة اللينة، واكتفى من العبادة بالخشن من الصوف، وهي أوّل بادرة في الأخبار الإسلامية لهذا العمل بهذه الكيفية محسوباً على الإسلام والدين، أنا ألبس الصوف فأكون متصوّفاً محتسباً بذلك الأجر عند الله!! هذه أوّل بادرة، وليس لنا أيّ خبر مثل هذا أسبق من هذه البادرة في البصرة.

فشكاهُ الربيع إلى الإمام(عليه السلام) ليرى هل يرضى به أم لا، إذ أنّه(عليه السلام) وقف هذا الموقف بالنسبة للدار الواسعة للربيع بن زياد، موقف التصحيح للزهد في الإسلام، هل الدار تكون واسعة؟ هل هذا يُخالف المنطق الإسلامي والفكر الديني والمفهوم الديني؟ واذا كان مشروطاً فهو مشروطٌ بماذا حتى لا يحسبُ على الدنيا ويحسب على الآخرة؟

فقال الإمام(عليه السلام) : عليَّ به، فلمّا أتاهُ عبسَ في وجهه، وهذا أوّل مراتب النهي عن المنكر، وقال له: ياعُديَّ نفسه! أو: يا عدوَّ نفسه! ولعل في التصغير إشارة إلى أنّه لم يعادِ نفسه عالماً عامداً مقصراً، بل قاصراً، أي: أنّ المفاهيم الإسلامية لم تكن يومئذٍ واضحة كي تتمَّ بها الحجة على الناس جميعاً.

يا عُديَّ نفسه! لقد استهام بك الخبيث، أي: إنّ هذا هو التحريف في معنى الزهد في الإسلام، وهذه من وساوس الشيطان.

ثمّ قال(عليه السلام) : أما رحمت أهلك وولدك؟! أترى الله أحلَّ لك الطيِّبات وهو يكره أن تأخذها، أنت أهون على الله من ذلك! وهذا قريب من المضمون

٧٠
الوارد في أخبار الأئمة الأطهار(عليهم السلام) في أنّ الله إذا رخّص في شيء أحبَّ أن يؤخذ برُخَصهِ كما يحبّ أن يؤخذ بعزائمه(١).

فقال لهُ: يا أميرالمؤمنين! هذا أنت في خشونة ملبسك، وجشوبة مأكلك، وكأنّه رآى نوعاً من المفارقة بين فعل وقول أمير المؤمنين علي(عليه السلام) ، إذ كان يشعر بأنّ عاصم بن زياد لو كان يفعل ذلك لم يعد بعيداً عن فعل أمير المؤمنين(عليه السلام) وعمله، وكأنّما خطى خطوات على طريق أمير المؤمنين علي(عليه السلام) .

فقال(عليه السلام) : ويحك! إنّي لست كأنت، إنّ الله فرض على أئمة العدل أن يقدّروا أنفسهم بضعفة الناس كيلا يتبيّغ(٢) بالفقير فقره، فألغى عاصم عباءة الصوف الخشنة، ولبس الملائة، وذكروا في معنى الملائة أنّها الثياب الرقيقة الناعمة.

ويبقى هنا عودة على ما ذكرنا أنّ اسم العلاء بن زياد ليس وارداً في هذا الخبر من البداية إلى النهاية، لا من قريب ولا من بعيد، وأنّ أبا إسحاق إبراهيم ابن محمد بن إسحاق الثقفي الكوفي الأصفهاني صاحب كتاب الغارات المتوفى ٢٨١هـ، يذكر في ضمن هذا الكتاب العلاء بن زياد في نواصب البصرة(٣)، ولكنّهُ ليس همدانياً حارثياً، وإنّما هو عدَويٌّ، أي: من بني عدي

١- راجع: بحار الأنوار ٦٦ : ٣٦٠ .

٢- أي: لا يتهيّج بالفقير فقره، (يتبيّغ) قد يكون من البغي ولكن على غير القياس، وقد حصل القلب في الحروف في كثير من الكلمات على أثر أُمِّيَةِ كثير من القبائل العربية يومئذٍ. (منه حفظه الله).

٣- الغارات ٢ : ٥٥٨ .

٧١
كما عن تقريب التهذيب في حاشية الغارات(١)، فلا علاقة لهُ بهذا الخبر، ولعلّهُ التبس الأمر على مصدرٍ نقل عنهُ المرحوم الشريف الرضي.

ميلاد الامام السجاد(عليه السلام) ووصول الخبر إلى البصرة

يعجبني ـ قبل أن نختم حديثنا بإلقاء أمير المؤمنين(عليه السلام) الدعاء على صاحبهِ كميل بن زياد ـ أن نقف على خبرٍ آخر من هذه الأخبار الطريفة الجديرة بالملاحظة في هذه الفترة، أي: في فترة كون الإمام أمير المؤمنين علي(عليه السلام) في البصرة بعد حرب الجمل وفتح البصرة وقبل الارتحال منها إلى الكوفة، أي: في الفترة التي قد أنتهت ـ لعلّها ـ بإلقاء هذا الدعاء وتلقينهِ وإملائه على صاحبه كميل بن زياد.

من جملة هذه الأمور وصول خبر ميلاد الإمام زين العابدين علي بن الحسين(عليه السلام) إلى البصرة، عند فتح كتاب أصول الكافي وفي كتاب الحجة تجدون أبواب مواليد الأئمة(عليهم السلام) ، بل مواليد المعصومين: مولد النبي(صلى الله عليه وآله) ، ثم مولد أمير المؤمنين(عليه السلام) ، ثم مولد فاطمة الزهراء(عليها السلام)، ومولد الحسن والحسين (عليهما السلام) ، فمولد علي بن الحسين(عليه السلام) ، وفي مولد علي بن الحسين(عليه السلام) تجدون ـ وهذا أقدم مصدر فيما بأيدينا ـ بيتاً فريداً وحيداً منسوباً ـ كما في أصول الكافي ـ إلى أبي الأسود الدؤلي البصري:


وإنّ غلاماً بين كسرى وهاشملأكرم من نيطت عليه التمائم(٢)

١- الغارات ٢: ٥٥٨.

٢- أصول الكافي ١ : ٤٦٧ .

٧٢
نيطت، أي: علّقت به التمائم، جمع التميمة، والتميمة: الأشياء أو الزخرف الذي كان العرب يومئذٍ يعلّقونهُ على الأطفال بزعمهم دفعاً لآثار العين، وإنّما هي كناية عن الطفولة هنا، ولا موضوعية للتميمة سواء كانت التميمة موجودة أو غير موجودة.

لأكرم من نيطت عليه التمائم، يعني: لأكرم الصغار، باعتبار أنّ التمائم لا تُعلّق إلاّ على ما دون المراهقين من الصبيان، فهي كناية عن الصغر والطفولة، وحينما تجدون هذا البيت بيتاً وحيداً منفرداً لا نظير لهُ من قبلهِ ولا من بعده، لا صدر ولا ذيل فقد يتعجّب الإنسان، ما خصوصية أبي الأسود الدؤلي في مولد الإمام زين العابدين(عليه السلام) في البصرة؟ وحينما نبحث عن الخبر نعرف السبب، وأنّ البيت لم يكن بيتاً واحداً منفرداً، وإنّما كان بيتين من الشعر، ولم يكن البيتان لأبي الأسود الدؤلي نفسه، وإنّما كانت لرجل آخر من قبلهِ من أهل البصرة كانت أمّهُ فارسية، فأحياناً كان بعض العرب يُعيرونه في باب الخصومات، وهو يُجيبهم ببيتين من الشعر:


أنا ابن أبي سلمى وجدي ظالموأمّي حَصان(١)حصّنتها الأعاجم(٢)

أي: أمّي أعجمية لكنّها حَصَان، أي: مُخلَّصة من الآفات والشرور والعاهات، أخلصتها الأعاجم، ولا أستقبح ذلك، وكان اسمها ميادة، بناءً على ما نُقل.

١- ليس الحِصان بمعنى الفرس، أو ذكر الفرس، وإنّما الحَصان بمعنى الحصينة والمُحتشِمة. (منه حفظه الله).

٢- خزانة الأدب ١ : ١٦٨ .

٧٣


أليس غلامٌ(١)بين كسرى وهاشم(٢)بأكرم من نيطت عليه التمائم

فأبو الأسود الدؤلي إنّما وقف على هذا البيت وغيّرهُ تغيراً يسيراً وطبّقةُ على الإمام زين العابدين(عليه السلام) ، والمناسبة وصول خبر ولادتهِ(عليه السلام) إلى البصرة بعد أن غَلبَ أمير المؤمنين(عليه السلام) ودخلَها في مفتتح أو منتصف شهر رجب، وهذا هو المشهور تأريخياً، حينها وصل خبرُ ميلاد الإمام السجاد زين العابدين(عليه السلام) .

وهنا يمكن حلّ مشكلة أخرى، وهي مسألة علاقة أبي الأسود الدؤلي بميلاد الإمام زين العابدين(عليه السلام) ، فأبو الأسود الدؤلي بصريٌ وكاتبٌ في البصرة، قبل عبد الله بن عباس، وبالعمدة كاتب عبد الله بن عباس على البصرة في أيام عملهِ وأمارتهِ عليها من قبل أمير المؤمنين(عليه السلام) ، وعلى أيِّ حال فهو بصريٌ، ولكن ما علاقته بمولد الإمام زين العابدين(عليه السلام) ؟ هل ولد الإمام زين العابدين(عليه السلام) في البصرة، أو كان أبو الأسود حاضراً يوم ولادة الإمام زين العابدين(عليه السلام) ، أو حضر لدى الإمام(عليه السلام) يوم من الأيام؟ فالخبر أبتر.

لكن عندما نقف على هذا الخبر بهذه الكيفية تنحلّ تلك المشكلة أيضاً، فإنّ الخبر وصلَ إلى البصرة، وكان أبو الأسود حاضراً حينها هناك، وكان كاتباً لدى أمير المؤمنين(عليه السلام) يوم فتحها، فلمّا رآى أنّ هذا البيت الثاني ـ من البيتين من الشعر للطرمّاح بن ميادة البصري ـ شديد الانطباق والمصداق على

١- وهو يقصد نفسه.

٢- أي: بين العرب والعجم.

٧٤
الإمام زين العابدين(عليه السلام) أنشده بتغيرٍ يسير تطبيقاً على الإمام(عليه السلام) ، ولم يقم هو بإنشائه.

كلام لأمير المؤمنين(عليه السلام) مع أهل البصرة وعامله عليها

وأمّا عن موضوع بحثنا لهذه الليلة، فإنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) لمّا أراد الخروج من البصرة استخلف عليها عبد الله بن العباس(١)، وقال لهُ: يا ابن عباس! عليك بتقوى الله والعدل بمن وليت عليه، وأن تبسط للناس وجهك، وتوسّع عليهم مجلسك، وتسعهم بحلمك، وإيّاك والغضب! فإنّه طيرة الشيطان، وإيّاك والهوى! فإنّه يصدّك عن سبيل الله، واعلم أنّ ما قرّبك من الله فهو مباعدك من النار، وما باعدك من الله فمقرّبك من النار، واذكر الله كثيراً

ولا تكن من الغافلين(٢).

هذه وصية خاصّة من أمير المؤمنين(عليه السلام) لعبد الله بن عباس حين الخروج من البصرة، لكن هناك خطبة عامّة خطبها وداعاً للبصرة أو لأهل البصرة، حمد الله فيها وأثنى عليه، وصلى على رسوله، ثم قال لهم: معاشر الناس! قد استخلفت عليكم عبد الله بن العباس، فاسمعوا له وأطيعوا أمره ما

١- يقول سماحة الشيخ اليوسفي: وقد أراني الآن جناب الشيخ الحسون في دفتر المركز موسوعة: (عبد الله بن عباس، حبر الأمّة وترجمان القرآن) للعلامة السيد مهدي الخرسان، وقد طُبعت هذه الموسوعة من قبل المركز، وصدر منها خمسة مجلدات، ومن المقرّر أن تصدر في عشرين مجلّداً كما أخبرني به جناب الشيخ.

وقد طبعت الموسوعة كاملة بعد ذلك ـ ولله الحمد ـ في واحد وعشرين مجلّداً.

٢- كتاب الجمل للشيخ المفيد : ٢٢٤ .

٧٥
أطاع الله ورسوله، فإن أحدث فيكم أو زاغ عن الحق فاعلموا أنّي أعزله عنكم، فإنّي أرجو أن أجده عفيفاً تقياً ورعاً، وإنّي لم أوله عليكم إلا وأنا أظن ذلك به، غفر الله لنا ولكم(١).

وجعل كاتبهُ ـ كما كان من قبل ـ كاتب عمّال البصرة زياد بن أبيه، وعلى شرطتهِ أبا الأسود الدؤلي ظالم بن عمر الكناني، كما في الدر النظيم للعاملي(٢)، وحيث كانت خراسان تابعة للبصرة في الفتوح، وكان جُعدة بن هبيرة المخزومي بن فاختة بنت أبي طالب أختُ الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) ، أي: ابن أخت أمير المؤمنين(عليه السلام) ، قد لحقَ به إلى البصرة من الكوفة، وجّه به علي(عليه السلام) إلى خراسان، فقدم عليه مرزبان مرو: ماهويه، وحمل معه إليه مالاً من الخراج على وظيفته، فأنفذ جعدة له شروطه، وكتب له كتاباً على وظيفته المتقدمة، هذا بنقل اليعقوبي(٣).

ونقل الطبري عن المدائني عن ابن اسحاق: أنّ ماهويه قدم بعد الجمل على علي(عليه السلام) ، فكتب لهُ إلى الأساورة والجند سالارين والدهاقين في مرو(٤)، لكنّ شاهِدَنا في هذا أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) لمّا توجّه إلى الكوفة نزل دار ابن أخته جُعدة ابن أبي هرير المخزومي، لماذا؟ لأن الدار خليت من صاحبها، إذ أرسله من قِبَله عاملاً على مرو.

١- كتاب الجمل للشيخ المفيد : ٢٢٤ .

٢- الدر النظيم: ٣٥٧ .

٣- راجع: تأريخ اليعقوبي ٢ : ١٨٣ .

٤- المصدر السابق ٣ : ٥٥٧ .

٧٦

خروج الإمام(عليه السلام) نحو الكوفة، ووقفة له مع أهل البصرة

فلمّا أراد أمير المؤمنين(عليه السلام) التوجّه إلى الكوفة، قام فيهم وفي يده صرة كيس فيها نفقتهُ وعليهِ قميص ورداء، ثمّ قال لهم في ما قال: يا أهل البصرة! ما تنقمون عليّ، ثم أشارَ إلى قميصهِ وردائهِ، فقال: والله أنّهما لمَِن غزل أهلي، ثم أشار إلى الصرّة في يدهِ، وقال: ما تنقمون منّي يا أهل البصرة؟! والله ما هي إلاّ من غلّتي بالمدينة، ليس من بيت مالكم إلاّ من غلتي بالمدينة، فإن أنا خرجتُ من عندكم بأكثر مما ترون فأنا عندالله من الخائنين ـ حاشاك يا أمير المؤمنين ـ، ثمّ ركب بغلة رسول الله(صلى الله عليه وآله) وخرج ومعهُ الأحنف بن قيس التميمي، ومعهُ بنو تميم، وشيَّعَه الناس إلى خارج البصرة(١)، وقدم الكوفة في رجب ـ بلا خلاف ـ، فكان دخولهُ إليها لاثنتي عشرة ليلة مضت منهُ.

وقفة مع خَبَرَي دعاء كميل

والآن وصلنا إلى خبر (كميل بن زياد) وتعليمهِ من قبل أمير المؤمنين(عليه السلام) لهذا الدعاء، لمثل هذه الليالي، لكن ليس في البداية، بل لليلة الجمعة في النصف من شعبان، والخبر خبران في مصباح الشيخ الطوسي مُرسلاً(٢)، وفي الإقبال للسيد ابن طاووس(٣) وفيه بعض السند، وبينهما بعض الخلاف في بعض التفاصيل، لكن ما يهمّنا أنّ المروي في كليهما أنّ أمير

١- راجع: كتاب الجمل للشيخ المفيد : ٢٢٤ .

٢- راجع: مصباح المتهجّد : ٨٤٤ .

٣- راجع: إقبال الأعمال ٣ : ٣٣١ .

٧٧
المؤمنين(عليه السلام) علّمهُ هذا الدعاء لليلة النصف من شعبان.

وهنا يأتي السؤال، وهو أنّ: أمير المؤمنين(عليه السلام) دخل الكوفة في شهر رجب بلا خلاف، فكيف يكون علمَّ كميل دعاءً لليلة النصف من شعبان في البصرة؟

والجواب: أنّ ذلك كان استقبالاً منه لليلة النصف من شعبان، فأنا فكّرت كجواب على سؤال مقدّر، إذا كان خروج أمير المؤمنين(عليه السلام) من البصرة ودخوله إلى الكوفة في شهر رجب، أي: قبل النصف من شعبان، بل حتى دخوله إلى الكوفة قبل النصف من شعبان بأكثر من شهر، فكيف نجمع بين هذا وبين تعليم أمير المؤمنين(عليه السلام) هذا الدعاء لكميل؟

والجواب: أنّنا نفهم من الرواية أنّه(عليه السلام) علّمهُ لليلة الجمعة النصف من شعبان، لا أنّ التعليم كان في ليلة النصف من شعبان، فليس النصف من شعبان ظرفاً زمانياً للتعليم، وإنّما هو ظرفٌ زمانيٌ لقراءته، ولو كان قبل أكثر من شهر ونصف لمّا كان في البصرة قبل أن يخرج من البصرة، ولا مانع من ذلك استقبالاً لتلك الليلة واستعداداً لها، ولا نجد أيَّ تفصيل في أيِّ خبر عن تلك الليلة نفسها، أي: ليلة النصف من شعبان والتي عُلِّمَ الدعاء من أجلها، هل كان كميل باقياً فعمل بهذا التعليم في البصرة متخلِّفاً عن أمير المؤمنين(عليه السلام) ، أو أنّه انتقل معه(عليه السلام) إلى الكوفة؟ والثاني ممكن، فقد يكون قد انتقل إلى الكوفة مع أمير المؤمنين(عليه السلام) ، وإنّما تعلَّم الدعاء في البصرة لليلة النصف من شعبان.

فلهذا اختصرنا الأمر فيه بهذه الكلمة، فالدعاء ذكره السيد ابن طاووس

٧٨
في كتابهِ الإقبال بالأعمال الحسنة فيما يُعمل مرّةً في السنة(١)، بينما دعاء كميل عندنا ليس لمرة في السنة بل لكل ليلة جمعة، لماذا؟ لأنّ أصل التعليم كان لليلة الجمعة النصف من شعبان، فاسترسلوا في ذلك وتسامحوا وقالوا: مادام ليلة النصف من شعبان كان لها عنوانان: عنوان ليلة النصف من شعبان وعنوان ليلة الجمعة، فيمكن لنا أن نقرأه برجاء المطلوبية في كل ليلة جمعة باعتبار نصف الوصف الأصلي في تعليم الدعاء.

فرهاد ميرزا وسبب تأليفه لـ : القمقام الزخّار

نكتفي هنا بهذا المقدار، وقبل أن نختم الحديث ننقل ملاحظة من المرحوم الحاج فرهاد ميرزا الوالي من قبل ناصرالدين شاه القاجار على غرب ايران بمركزية كرمانشاه، كان فرهاد ميرزا عالماً ولهُ من أقدم كتب المقاتل التحقيقية، وهو مقتل الإمام الحسين(عليه السلام) ، مقتل ضخم موسّع محقَّق من أكثر من سبعين مصدراً معتبراً في التاريخ والتراجم من العامّة والخاصة، باسم: (القمقام الزخار، والصمصام البتّار)، والاسم يُشير إلى واقعة القمقام الزخار، يعني: البحر الموّاج، والصمصام البتّار، أي: السيف القاطع، ويشير بالسيف القاطع إلى التربة الحسينية التي كان يحملها من جوار مرقد الحسين(عليه السلام) تحت السرداب، يعني بذلك الزمان أكثر من ست درجات حسب نقلهُ في مقدمة الكتاب.

١- والكتاب ثلاث مجلدات، والمجلد أكثر من خمس مائة صفحة، يعني أكثر من الف وخمس مائة صفحة في الطبعة المحقّقة الموجودة الجديدة. (منه حفظه الله)

٧٩
كان أخذ تربة من جوار مرقد الإمام الحسين(عليه السلام) ، وكانت معهُ لمّا ركب السفينة من الأستانا أو إلى الأستانا في البحر الأبيض المتوسط، فهاج البحر بهم إلى حد اليأس من الحياة، وهو لا يتذكّر التربة فذكّرها أحدهم بها، فأخرجها وفصّل لمن حضر معهُ في السفينة بأنّ هذه تربة من جوار مرقد سبط رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، واشترط عليهم التشيّع، ولم يتخلف عنهُ ـ بعد أن نجوا بمعجزة حيث رمى بجزء أو قسم من هذه التربة على مياه البحر وزال الخطر عنهم ـ ولم يبق متعنّتاً على مذاهبهم أو أديانهم السابقة إلاّ القليل، الاّ ثلاثة ـ كما يقول هو ـ .

وعلى أي حال، فلذلك لمّا رجع إلى إيران ترك الرئاسة وجلسَ متفرّغاً لكتابة هذا المقتل، لأنهُ كان قد نذر كتابة هذا المقتل من قبل، وذلك لقضية عرضت لهُ في كرمانشاه، حيث كان يحضر مجالس عزاء الإمام الحسين(عليه السلام) كرئيس وبشكل رسمي، وكان يحضر معهُ علماء غير الشيعة، وكانوا يسمعون بعض الخطباء غير المحقّقين يقرأون ما يشاؤون، فلذلك يعاتبوه، ويقولون: هل تحضرون هذه المجالس رسمياً، وبحضوركم تجبروننا على الحضور يعني تشريفياً لنسمع هذه الكلمات؟ وهو بدوره يحتجّ على أولئك القُرّاء، والقُراء يقولون: أعطوننا ما تشاؤون من الكتب المحقّقة كي نقرأ منها، ولا أدري لماذا لم يُشِر عليهم لا بكتاب الإرشاد للشيخ المفيد، وهو اشتمل على أقدم مقتل معتبر لعالم من علمائنا المحققين الشيخ المفيد، ولا بكتاب للسيد الطاووس، وكأنهُ يرى الساحة فارغه.

وعلى أي حال يجلس وينذر أن يكتب مقتلاً محقّقاً للإمام

٨٠