×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

ندوات مركز الأبحاث العقائدية ج 10 / الصفحات: ٥٠١ - ٥٢٠

أنا أقول لعلماء العامّة: أنتم تعترضون علينا بوجود بعض الأحاديث في كتبنا الحديثية حول تحريف القرآن، نحن نقول: نعم، ولكن لم تفهموا مداليل هذه الروايات المذكورة في كتبنا الروائية.

أنا بحثت أيضاً في مجال آخر عن مداليل الروايات التي في كتبنا ويدور موضوعها حول التحريف، وأكثر الروايات الواردة في الباب في مقام بيان التحريف المعنويّ في القرآن.

فقد ورد في بعض رواياتنا: <أمَّا القرآن فحرّفوه>(١)، لكن ما هو المراد من التحريف؟ الجواب: أنّ المراد هو التحريف المعنويّ، فالآن أيضاً نقول بذلك ونعتقد بأنَّ كتبكم التفسيريّة حول آيات القرآن مشحونة بالتحريف المعنويّ، إذا كان هناك مجال نثبت ذلك في آيات عديدة من القرآن، سيّما في تفسيركم الكبير للفخر الرازي.

لكن دعنا عن ذلك فعلاً، إلا أنّنا نقول على سبيل الاختصار: إنّكم تعترضون علينا بوجود هذه الأحاديث في كتبنا، والحال نحن نقول: ماذا تجيبون بالنسبة إلى هذه الأحاديث التي هي في كتبكم وتدلّ على التحريف في القرآن؟

يجب أن تبيّنوا لنا مداليل هذه الأحاديث،وأنّه ما هو المراد من (أنَّ القرآن اُنزل على سبعة أحرف، فاقرأوا ما تيسّر من القرآن).

العجب أنَّه في بعض هذه الروايات نرى مطالب موهونة جداً، انظروا مثلاً إلى هذا النقل في سنن النسائي، عن أُبيّ بن كعب حيث يقول: إنَّ النبي صلى الله عليه وآلهكان عنده أضاة بني غفار، فأتاه جبريل فقال: إنَّ الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف.

١- راجع: رجال الكشي١: ٨، رقم الحديث ٤.

٥٠١

قال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإنَّ أمتي لا تطيق ذلك.

ثمَّ أتاه الثانية، فقال: إنَّ الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرفين.

قال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإنّ أمتي لا تطيق ذلك.

ثمَّ أتاه الثالثة، فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف.

فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، فإنَّ أمتي لا تطيق ذلك.

ثمَّ جاءه الرابعة، فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف، فأيّما حرف قرأوا عليه فقد أصابوا(١).

أيضاً ذكر في سنن أبي داود أنّ الرسول صلى الله عليه وآله كان يعطي ضابطاً لهذا الأمر، حيث قال صلى الله عليه وآله بحسب هذه الرواية: (إن قلت: سميعاً عليماً عزيزاً حكيماً، ما لم تختم آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب)(٢).

ما معنى هذه العبارة؟ معنى العبارة أنَّ القرآن باختياركم ويمكن أن تغيّروا الألفاظ على سبعة أحرف، لكن لا بُدَّ أن تراعوا ولم تغيّروا آية العذاب بآية الرَّحمة وبالعكس، أليس هذا عجيباً؟!

القرآن هي المعجزة الخالدة، القرآن هو الذي يقول النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله بحسب ما أمره الله تعالى به في كتابه الكريم: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾(٣).

فإذا كان النبيّ صلى الله عليه وآله لا يجوز أن يبدّل القرآن من تلقاء نفسه بحرف، كلمة أو آية فكيف يجوز للآخرين أن يبدّلوه ما دام لم ينجرّ إلى تبديل آية العذاب برحمة وبالعكس؟ فهل يعقل أن يكون هذا الأمر بأيدينا؟!

١- السنن الكبرى للنسائي ١: ٣٢٦، رقم الحديث ١٠١١.

٢- سنن أبي داود ١: ٣٣٢، رقم الحديث ١٤٧٧.

٣- سورة يونس: ٢١٠.

٥٠٢
أيّها الأعزّاء! حينما تنظرون إلى هذه الروايات ترون الاختلاف الشديد فيما بينها، فتدركون وتصلون إلى وجود بعض التعابير الموهنة للقرآن والمخرّبة له والموجبة لتلاعب النَّاس في القرآن الكريم.

ورد في بعض كتبهم ـ كما ذكر السيوطي في الإتقان ـ أنّه اختُلِف في معنى هذا الحديث على نحو أربعين قولاً(١)، فكيف يصح أن نقول بصدور هذا الكلام في الرواية ـ والذي يدلّ على تعدّد القراءات ـ عن النبي صلى الله عليه وآله؟

وكيف يكون مشهوراً عند الصحابة على حسب ظنّكم ثمَّ يصل إلى أربعين احتمالاً؟

ألا يكشف هذا عن أنَّ هذا الحديث لا أساس له؟

نعم، يمكن لنا أن نقبل كلامهم إذا كان مرادهم من أنَّ القرآن أُنزِل على سبعة أحرف هو أنَّ القرآن على سبعة أقسام لوجود الأمر، والزجر، والحلال، والحرام، والمحكم، والمتشابه، والأمثال فيه، فهذا الكلام لا بأس به.

وقد ورد في مقدّمة تفسير عليّ بن إبراهيم نظير هذا التعبير من أنَّ القرآن له أقسام، بعض الآيات من قبيل الأوامر، وبعضها من قبيل النواهي كالحلال والحرام، والبعض الآخر هي المحكمات والمتشابهات والأمثال(٢).

لكن إذا كان المراد من سبعة أحرف سبعةَ أقسام فلا نحتاج إلى رواية وإن كان هذا الكلام في نفسه صحيحاً، والدليل لنفي الحاجة أنّه يمكن لشخص آخر أن يقسّم إلى عشرين أو حتى سبعين قسماً.

١- الإتقان في علوم القرآن ١: ١٣٠، رقم الحديث ٥٥٦.

٢- راجع: تفسير علي بن إبراهيم ١ : ٥ .

٥٠٣
إذا قلنا: المراد من سبعة أحرف سبعةُ أقسام، فلا يناسب هذا ما نقلتم عن النبيّ صلى الله عليه وآله من التعبير المتقدّم بأنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال: (إنَّ أمتي لا تطيق ذلك)، فكيف يتناسب هذا التعبير مع هذا التفسير من سبعة أحرف؟

إنَّكم نقلتم أنَّ النبيّ صلى الله عليه وآله قد استزاد من جبرائيل، والحال أنّ هذه الأقسام لا تحتاج إلى استزادة النبيّ صلى الله عليه وآله، فلا يبقى حينئذ معنى محصَّل لهذا الحديث.

نعم، ذكروا في كتبهم التفسيريّة أنّ المراد من سبعة قراءات: قراءة قريش، قراءة كنانة، وغيرها(١).

وهذا التفسير أيضاً لا يناسب التعليل الذي ذُكر في الأحاديث، ولا يناسب ما ورد في ذيل الحديث: (ما لم تختم آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب).

أقول: يجب على علماء أهل السنّة أن يجدّدوا النظر في هذا الحديث الذي يوجب التلاعب في القرآن، هذا أسوأ حالاً بمراتب من الافتراء الذي تفترونه علينا من تحريف القرآن الكريم، نحن لا نعتقد بالتحريف كما لا يعتقد علماؤنا المتقدمون بذلك، لكن افتراءكم علينا في أنَّ كلمة أو آية

١- يقول محمد طاهر الكردي في (تاريخ القرآن الكريم: ٨٤) ما نصّه: (ذهب العلماء في المراد بهذه الأحرف السبعة إلى نحو أربعين قولاً ذكرها الإمام السيوطي في كتابه (الإتقان في علوم القرآن) نذكر ملخص ذلك، منها أنّ المراد سبع لغات كما صحّحه البيهقي في الشعب، واختلفوا في تعيينها، فقال أبو عبيدة: قريش وهذيل وثقيف وهوازن وكنانة وتميم واليمن، وقيل غير ذلك، وجاء عن أبي صالح عن ابن عباس، قال: نزل القرآن على سبع لغات منها خمس بلغة العجز من هوازن، ويقال لهم علياء هوازن، قال أبو عبيدة: ليس المراد أنّ كلّ كلمة تقرأ على سبع لغات، بل اللغات السبع مفرقة فيه، فبعضه بلغة قريش وبعضه بلغة هذيل وبعضه بلغة هوازن وبعضه بلغة اليمن..).

٥٠٤
سقطت من القرآن! أمَّا هذا الحديث فهو موجب للتلاعب بالقرآن من أوّله إلى آخره في كلّ الأزمنة، فقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾(١)، يعني بحسب رأيكم: أنّه يجوز لكلّ واحد أن يقرأ القرآن على حسب ما يريد وبأيّ نحو أراد، هل المعجزة الخالدة تكون هكذا؟! بحيث يكون القرآن بأيدي النَّاس حتى يغيّروا جميع الآيات غيرَ أنَّهم لا يجيزون تغيير آية العذاب بآية الرَّحمة وبالعكس.

أنا أظنُّ بأنَّ هذا الحديث بهذا التعبير افتراء وكذب محض على

رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يقل به النبيّ صلى الله عليه وآله، هذا هو الإجمال بالنسبة إلى ما ذكره علماء أهل السنَّة حول هذا الحديث.

نعم ذُكِرت في كتاب الكافي للشيخ الكليني رحمه الله رواية عن فضيل بن يسار قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إنَّ النَّاس يقولون: إنَّ القرآن نزل على سبعة أحرف، فقال: <كذبوا أعداء الله، ولكنّه نزّل على حرف واحد من عند الواحد>(٢).

هذا موقف الإماميّة في قبال القرآن الشريف، فكم من فرق بين الموقفين؟! حيث كان الرسول صلى الله عليه وآله يوصي بأنَّ العترة هم المرجع العلمي للأمَّة، وتظهر مرجعيتهم في هذه الأمور ونظائرها، فعندما يذكرون أنَّ النبي صلى الله عليه وآله قال: (إنَّ القرآن نزل على سبعة أحرف، فاقرأوا باختياركم ما لم تختموا آية العذاب بالرَّحمة)، يقول الإمام الصادق عليه السلام: هذا كذب، القرآن من عند واحد.

١- سورة المزمل:٢٠.

٢- الكافي ٢: ٦٣٠، رقم الحديث ١٣.

٥٠٥
ونبحث الموضوع هنا ثبوتياً بحسب الاصطلاح العلمي، فنقول: هل للحكيم أن يُجيز للنَّاس أن يقرأوا كتابه الذي هو المرجع الأساسي للنَّاس إلى يوم القيامة بما يشتهون إليه من القراءات المختلفة؟ لا يمكن ذلك ثبوتيّاً، وحيث لا يمكن في مقام الثبوت فلا يمكن في مقام الإثبات أيضاً.

نقاش مع العلاّّمة الطباطبائي حول الحديث:

وهنا نعترض على العلامّة السيد الطباطبائي رحمه الله في التفسير الكبير المسمّى

بـ (الميزان)، حيث قال: (والروايات متقاربة معنىً، روتها العامّة والخاصّة)(١)،فنسأل السيّد بأنّ في أيّ كتاب من كتب الخاصة ذُكرت هذه الرواية؟

نعم، يذكر العلاّمة المجلسي رحمه الله عن تفسير النعماني هذه الرواية بسند مرسل، لكن لا أثر لهذه الرواية في أكثر كتبنا الحديثيّة، فكيف تقولون: روتها العامّة والخاصّة؟!

يذكر العلامة رحمه الله أيضاً أنَّ معنى الحديث فيه اختلاف شديد، ويختار أنَّ المراد من سبعة أحرف سبعةُ أقسام.

لكن قلتُ: إنَّ هذا التفسير لا يناسب ولا يلائم التعليلَ والتعابير الواردة في هذه الروايات بشأن هذه القضية.

هذه خلاصة حول هذا الحديث، وأنا هنا بصدد إثبات نكتة، وهي أنَّ كتب الحديث عند الإماميّة إذا قايسناها بكتب الحديث عند أهل السنّة، نرى أنَّ كتبنا أرقى من كتبهم لهذه الجهات، ويجب عليهم تطهير كتبهم من هذه المنقولات الواهيّة.

١- تفسير الميزان ٣: ٧٤.

٥٠٦
في ختام الكلام لهذه اللّيلة من ليالي شهر رمضان، نسأل الله أن يتقبّل أعمالكم وأعمالنا إن شاء الله، ونذكر رواية من الكافي حول قضيّة التحريف، وهي رواية مفصّلة وفيها عدّة نكات:

روى الكليني بسنده أنّ الإمام الباقر عليه السلام كتب إلى سعد الخير: <بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، أمّا بعد، فإنّي أوصيك بتقوى الله، فإنَّ فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب،إنَّ الله عزّ وجلّ يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله>.

فما معنى أنَّ التقوى هي السلامة من التلف؟ أنا أظنّ أنَّ هذا التلف ليس التلف الجسماني والظاهري، بل يعني أنّ التقوى تحفظ فكر الإنسان، حيث يجب أن يكون الإنسان صحيح الفكر.

نحن حينما نذكر (التقوى) نقول: هي صيانة عن الاشتغال في الذنوب، وموجبة للتقرّب إلى الله تبارك وتعالى، فنكتفي بهذا المقدار فقط، ونترجم كلمة التقوى بترجمة ضعيفة ومنحصرة بهذه الأمور، أمّا هذه الرواية فتقول:

<يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله، ويجلّي بالتقوى عنه عماه وجهله، وبالتقوى نجا نوح ومن معه في السفينة، وصالح ومن معه من الصاعقة، وبالتقوى فاز الصابرون، ونجت تلك العصب من المهالك، ولهم إخوان على تلك الطريقة يلتمسون تلك الفضيلة، نبذوا طغيانهم من الإيراد بالشهوات لما بلغهم في الكتاب من المثلات...>(١).

١- الكافي ٨ : ٥٢، الحديث رقم ١٦.

٥٠٧
يعني: من كان متقيّاً لم يأخذ بالمتشابهات والمثلات، طبعاً نقسّم الروايات إلى محكمات ومتشابهات، والتقوى توجب أن لا يأخذ الإنسان بالمتشابهات منها.

فهذا الحديث الذي يذكرونه إذا كان صحيح السند فيكون من المتشابهات، ويجب أن يتركوه، ولا يقولوا عنه شيئاً، فلماذا يذكرون عنه مطالب ممّا يوجب التلاعب في القرآن الكريم؟هذا مخالف للتقوى!

كما أنّ في الرواية نكتة مهمّة، وهي أنّ الله لم يبتدئ بالغضب على شخص من الأشخاص إلاّ أن يهيّئ ذلك الشخصُ الموجبَ للغضب، ففي الحديث: <وكلّ أمّة قد رفع الله عنهم علم الكتاب حين نبذوه، وولاّهم عدوَّهم حين تولّوه، وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه وحرّفوا حدوده>.

ويعني ذلك أنّ من الأمور الموجبة لغضب الله تبارك وتعالى أن ننبذ الكتاب، فما هو معنى نبذ الكتاب؟ معناه: أن أقاموا حروفه وحرّفوا حدوده، وهذا موجب لغضب الله تبارك وتعالى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

٥٠٨

٥٠٩

(١٦٤) معرفة الله عند الأئمة الأطهار عليهم السلام

الشيخ محمّد جواد الفاضل اللنكراني

٥١٠

٥١١
ندوات مركز الأبحاث العقائدية (ج١٠) » مركز الأبحاث العقائدية » (ص ٥١١ - ص ٥٤٠)

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

الحمد لله ربّ العالمين،وأفضل الصلاة وأتمّ السّلام على سيّدنا ونبيّنا وحبيبنا وشفيعنا محمّد وآله الطيّبين الطّاهرين.

تمهيد ومقدّمة:

موضوع البحث: (معرفة الله تبارك وتعالى عند الأئمة الأطهار عليهم السلام), والإشارة العابرة إلى وجود الاختلاف العميق بين مذهبنا ومذهب أهل السنّة حول المسائل الاعتقادية.

طبعاً عموم الناس يعلمون أنّ مورد الاختلاف بين الإمامية وأهل السنّة إنَّما هو منحصر في مسألة الإمامة والوصاية, وكذا في بعض الفروع الجزئية أحياناً، مع أنَّنا حينما نراجع كتبهم الاعتقادية حول الربِّ تبارك وتعالى، ونقايس بين ما يعتقدوه حول الربّ وصفاته تعالى وبين ما يعتقد به الإمامية انطلاقاً من مذهب أهل البيت عليهم السلام، يظهر الفرق الكبير بين المذهبين والاختلاف العميق فيما بينهم, فنصل إلى نتيجة: أنّ الربّ الذي يعتقد به أهل السنّة ليس مطابقاً للربّ الذي يعتقد به أتباع مذهب أهل البيت عليهم السلام.

نعم لا بأس بأن يقال: إنّنا ـ وبالنسبة إلى أصل الإسلام ـ نشترك مع إخواننا أهل السنّة ولا ريب في هذا الأمر، لكن من الجهة الاعتقادية إذا قايسنا ولاحظنا المعتقد عندنا وعندهم حول الربِّ تبارك وتعالى نرى بوناً شاسعاً بينهما.

٥١٢
وأشير أوّلاً إلى بعض العناوين بصورة مختصرة مثل: (الربّ عند أهل السنّة) ـ سيما الوهابية منهم ـ ، ثم نركّز البحث حول مسألة رؤية الله تبارك وتعالى, وهي من المسائل القديمة من زمن الأئمة الأطهار عليهم السلام وإلى يومنا هذا, حيث كانت مورداً للخلاف بيننا وبينهم.

الربّ عند أهل السنّة:

قال ابن تيمية ـ الذي هو من مدرسة أحمد بن حنبل ـ : إنّ الله عزّ وجلَّ يضحك ويعجب ويتجلّى لعباده يوم القيامة ضاحكاً(١), أي: هو كأحد من البشر يضحك ويعجب.

وأيضاً قال في مجموعة الفتاوى في الجزء الخامس في الصفحة نفسها: (وينزل كلّ ليلة إلى السماء الدنيا كيف شاء، فيقول: هل من داع؟ وفي بعض العبارات من أهل السنّة كما نقل أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله نقلاً عن صحيح مسلم: ينزل الله إلى السماء الدنيا كلّ ليلةٍ حين يمضى ثلث الليل الأوّل، فيقول: أنا الملك، أنا الملك، من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر)(٢) .

لا بُدَّ من التأمّل في أنَّهم كيف يُعرّفون الربّ وبأيّ ربّ يعتقدون، يعتقدون بربِّ يحتاج إلى النزول إلى السماء الدنيا, يعني: إذا كان باقياً في

١- مجموعة الفتاوى ٥ : ٦١ .

٢- صحيح مسلم ١٧٥:٢ ، باب الترغيب في الدعاء والذكر.

٥١٣
السماء السابعة فلا يصل صوته ولا يسمع صوت الداعين! كما لم يكن يسمع حينئذ صوت المؤمنين.

هو ربٌّ لا يرى المؤمنين؛ فيحتاج إلى النزول إلى السماء الدنيا بعد ثلث الليل.

الليل والنهار من خصوصيات الدنيا والكرة الأرضيّة، فما معنى الليل الثابت عندهم بالنسبة إلى الله تبارك وتعالى؟

الليل والنهار يكونان بالنسبة إلى الأشخاص الذين يسكنون الأرض, أمّا بالنسبة إلى خارج هذه الكرة فلا معنى لهما .

كما يعتقدون بما ذكره ابن بطوطة في رحلته عندما تكلَّم عن مشاهدته لابن تيمية وهو يتكلّم على منبر الجامع في دمشق, قال: (وكنت إذ ذاك بدمشق فحضرته يوم الجمعة وهو يعظ الناس على منبر الجامع ويذكّرهم، فكان من جملة كلامه أن قال: إنَّ الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا ونزل درجة من درج المنبر)(١).

قال ابن تيمية في كتاب منهاج السنّة: (وأمّا إثبات رؤية الله تعالى بالأبصار في الآخرة فهو قول سلف الأمّة وأئمّتها وجماهير المسلمين من أهل المذاهب الأربعة وغيرها, وقد تواترت فيه الأحاديث عند علماء الحديث)(٢).

ويعتقدون أيضاً بمصافحة الربِّ للنبي صلى الله عليه وآله ! يا للعجب ! كما أنّ المؤمن يصافح مؤمناً هم يعتقدون بأنّ الربّ تبارك وتعالى قد صافح النبي صلى الله عليه وآله.

١- رحلة ابن بطوطة :٩١.

٢- منهاج السنّة النبوية ٣ : ٣٤١ .

٥١٤
قالوا: إنّ النبي صلى الله عليه وآله قال: (دعاني ربّي فصافحني وكافحني)(١)، وأعجب من هذا القول هذا التعبيرالثاني: (رأيته وضع كفّه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين صدري)(٢) .

من هذا الذي تكون أنامله كأنامل المادّيّات حيث تحسّ فيها البرودة؟ فالبرودة والحرارة من خصوصيات الجسم والمادّة.

يعتقدون أيضاً بالنسبة إلى العرش بأنّ الله تبارك وتعالى يكون يوم القيامة على عرشه وقد بقي من سعة عرشه مقدار أربعة أصابع, وهذا المقدار للنبي صلى الله عليه وآله, يجلس إلى جنب الله تبارك وتعالى على عرشه! ويقولون في هذه الآية الشريفة في القرآن الكريم: ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً﴾(٣) : المراد من المقام المحمود جلوس النبي صلى الله عليه وآله بجنب الله تبارك وتعالى يوم القيامة(٤) .

وأيضاً ورد في بعض التعبيرات حسب ما ذكره السيوطي في (الدر المنثور) عن عمر بن الخطاب أنّ: (كرسيّه وسع السماوات والأرض، وأنّ له أطيطاً كأطيط الرحل الجديد إذا ركب؛ من ثقله ما يفضل منه أربع أصابع) (٥)، يعني أنّ هذا الموضع الذي يبقى أربع أصابع قد أعدّه الله لمحمد صلى الله عليه وآله ليجلسه عليه يوم القيامة.

١- الملل والنحل للشهرستاني ١ : ١٠٦ .

٢- مسند أحمد ٥: ٢٤٣

٣- الإسراء : ٧٩

٤- راجع: الجامع لأحكام القرآن ١٠: ٣١١ .

٥- الدر المنثور ١ : ٣٢٨ .

٥١٥
وقد نقل ابن قيم الجوزية عن القاضي أبي يعلى الحنبلي أنّه قال: (صنَّف المروزي كتاباً في فضيلة النبي صلى الله عليه وآله, وذكر فيه إقعاده على العرش)(١).

والأعجب أنّ كبار علماء أهل السنّة يعتقدون بصحة هذه الأحاديث, ويدافعون عنها سيما المحدّثين منهم، ويعتقدون بأنّ من ينكرها مرتدّ خارج عن الدين وأنّه كافر، بل وقع بسبب هذا الاختلاف تشاجر بين المسلمين، حيث كان يقول بعضهم بأنّ الحديث ليس بصحيح، وليس معنى المقام المحمود في هذه الآية الشريفة هو الجلوس الظاهري بجنب الله تبارك وتعالى؛ لأنّ الله تبارك وتعالى ليس بجسم ولا مادّة, لا يجلس كجلوسنا كما لا يحتاج إلى مكان.

نعم؛ هذه نماذج من اعتقاداتهم بالنسبة إلى الربِّ تبارك وتعالى، وهناك بعض التعابير يستحيي الإنسان من نقلها, لكنّهم يذكرونها بالنسبة إلى الربِّ ويعتقدون بها.

رؤية الله تبارك وتعالى :

يروي أبو يعلى من علماء الحنابلة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله أنَّه قال: (رأيت ربّي عزَّ وجلَّ شابّ أمرد! وجعد قطط وعليه حلية حمراء)(٢).

كما نُقل عن أحمد بن حنبل أنّه قال: (هذا حديث رواه الكُبّر عن الكُبّر عن الصحابة عن النبي, فمن شك في ذلك أو في شيء منه لا تُقبَل شهادته)(٣).

١- راجع: بدائع الفوائد ٤ : ٣٩ .

٢- طبقات الحنابلة ٢: ٤٦ .

٣- مجموع فيه ستة أجزاء حديثية، الجزء الثالث: مجلس أبي نصر أحمد الغازي: ١٤٩.

٥١٦
ومع ذلك فنحن نقطع بأنّ ابن عباس وأمثاله ما ذكروا هذا الحديث، بل هذه الأحاديث بحسب التحقيق وما صرّح به الشهرستاني في كتابه (الملل والنحل) من الإسرائيليات التي وردت في الكتب الدينية.

يصرّح الشهرستاني في (الملل والنحل) بهذا الأمر قائلاً: (وزادوا في الأخبار أكاذيب وضعوها ونسبوها إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأكثرها مقتبسة من اليهود، فإنَّ التشبيه فيهم طباع حتى قالوا: اشتكت عيناه فعادته الملائكة، وبكى على طوفان نوح حتى رمدت عيناه)(١).

طبعاً هذه الاعتقادات موجودة في التوراة، ومنها: أنّ الله نزل من السماء وفعل كذا وكذا مع إبراهيم عليه السلام.

وهم يقولون أيضاً بوجود صفة الهرولة لله تبارك وتعالى كما يفعل الحاجّ في السعي بين الصفا والمروة، فقد سُئل بعض علمائهم بأنَّه: هل لله صفة الهرولة؟

قال: نعم له صفة الهرولة، وفي هذا الموضوع حديث قدسي وهو: (إذا تقرَّب العبد إليّ شبراً تقرّبت إليه ذراعاً، وإذا تقرّب منّي ذراعاً تقرّبت منه باعاً, وإذا أتاني مشياً أتيته هرولة)(٢) .

وورد في صحيح مسلم أيضاً: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (يقول الله عزّ وجلّ: أنا عند ظنّ عبدي بي وأنا معه حين يذكرني، إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأٍ هُم خير منهم، وإن تقرّب منّى شبراً

١- الملل والنحل ١٠٦:١.

٢- صحيح البخاري: ٨: ٢١٢.

٥١٧
تقرّبت إليه ذراعاً، وإن تقرّب إليّ ذراعاً تقرّبت منه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة)(١) .

كما ذكر ابن باز ـ المفتي المعروف والمشهور عندهم في القرن الأخير ـ في فتاواه ذلك، فقال: (أمّا الوجه واليدان والعينان والساق والأصابع فقد ثبتت في النصوص من الكتاب والسنّة الصحيحة, وقال بها أهل السنّة والجماعة، وأثبتوه لله سبحانه على الوجه اللائق به سبحانه, وهكذا النزول والهرولة جاءت بها الأحاديث الصحيحة, ونطق بها الرسول صلى الله عليه وآله, وأثبتها لربّه)(٢).

نعم؛ عالمهم هكذا يقول ويفتي!

ونحن نركِّز الكلام ـ بعد الإشارة إلى هذه العناوين بصورة عابرة ـ إلى مسألة الرؤية فنتكلَّم معهم ومع كبارهم سيّما الفخر الرازي في تفسيره, ونقول: بماذا يعتقدون حول الرؤية؟

هم يعتقدون بأنّ رؤية الله تبارك وتعالى ممكنة في الدنيا، ولكن ـ بحسب الوقوع ـ ما وقع ذلك إلا للنبي صلى الله عليه وآله, فالرؤية ممكنة في الدنيا, وأمّا بالنسبة للآخرة فبعضهم يقول: الرؤية ممكنة للمؤمنين فقط, وبعض آخر يقول: الرؤية في القيامة لجميع الخلائق من المؤمن والكافر، من الرجال والنساء وغيرهم، فذاك ثابت لجميع الخلائق.

نذكر بعض الأحاديث والكلمات التي ذكروها ثمَّ ننقل استدلال الفخر الرازي, فقد استدلَّ بوجوه أربعة على مسألة الرؤية, فنبيّن ونناقش استدلاله.

١- صحيح مسلم: ٨ : ٦٢.

٢- مجموع فتاوى ومقالات متنوعة ٣ : ٦٢ .

٥١٨
يذكرون عن أمّ الطفيل امرأة أُبيّ بن كعب قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يذكر أنه رأى ربّه في المنام في صورة شابّ موفّر(١) في خضر (أي: في ثياب خضر), على فراش من ذهب, في رجليه نعلان من ذهب(٢).

وهناك حديث آخر يدلّ على أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله حدّث أنه رأى ربّه عزّ وجلّ في حظيرة من الفردوس في صورة شابّ عليه تاج يلتمع البصر(٣).

وأيضاً بالنسبة الى رؤية النبي الله تبارك وتعالى في ليلة المعراج يقولون بأنّ ابن عباس ذكر أنّ النبي رأى ربّه بعينيه مرّتين(٤) .

كما يُقسِم الحسن البصري أنّ النبي صلى الله عليه وآله رأى ربّه في ليلة المعراج.

وسُئل أحمد بن حنبل عن ذلك فقال: أنا أقول بحديث ابن عباس وأنَّ النبي بعينه رأى ربّه، رآه رآه رآه، حتى انقطع نفس أحمد(٥)، هذا يعني هذه العقيدة ثابتة عندهم إلى هذا الحد.

وجاء في السيرة الحلبية: (قال الإمام النووي: والراجح عند أكثر العلماء أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله رأى ربّه بعين رأسه، وأمّا رؤيته عزّ وجلّ يوم القيامة في الموقف فعامّة لكل أحد من الخلق، الإنس والجن من الرجال والنساء، المؤمن

١- الموفّر: ذو وفرة, والوفرة: الشعر المجتمع على الرأس، والمقصود أنّ النبي صلى الله عليه وآله رأى في المنام ربّه بهذا الشكل (منه حفظه الله).

٢- الأسماء والصفات للبيهقي : ٤٤٩ .

٣- جامع الأحاديث للسيوطي ١٣ : ٧٤ ، الحديث رقم ١٢٥٩٢ ، وكنز العمال ١ : ٢٢٨، رقم الحديث ١١٥٤ عن الطبرؤاني في السنّة.

٤- سنن الترمذي ٥ : ٧٠ .

٥- راجع: نسيم الرياض في شرح شفاء القاضي عياض ١ : ١٢٩ .

٥١٩
والكافر، والملائكة جبريل وغيره)(١)، فذكر هذه التفاصيل لأنّ بعض علمائهم يقولون: بإمكان الرجال رؤية الله يوم القيامة دون النساء.

وأعجب من هذه الأحاديث الحديث الذي ذكره في كتاب الأسماء والصفات، وفيه أنّ عبد الله بن عمر بن الخطاب بعث إلى عبد الله بن عبّاس يسأله: هل رأى محمد صلى الله عليه وآله ربّه؟

فأرسل إليه ابن عباس وأجابه: نعم.

فردّ عليه عبد الله بن عمر بأنَّه: كيف رآه؟

فأرسل ابن عباس مجيباً: أنّه رآه في صورة رجل شابّ في روضة خضراء، دونه فراش من ذهب، على كرسي من ذهب، يحمله أربعة من الملائكة: ملك في صورة رجل, وملك في صورة ثور, وملك في صورة نسر, وملك في صورة أسد(٢).

وعلى أيّ حال فكتبهم مشحونة من هذه الأحاديث, راجع: كتاب الشفاء, كتاب الشريعة, الدر المنثور, صحاحهم وسننهم، فهي مملوءة منها.

ففي (كتاب السنّة) لأحمد بن حنبل في صفحات كثيرة يذكر روايات الرؤية, لعلّها تبلغ مائة حديث أو أقلّ من قدس سره ذلك, لكنَّها كثيرة على أيّ حال.

إنّما سؤالنا وبحثنا بعد ذكر هذه المنقولات والمرويّات هو أنّه:

أوّلاً : ماذا قال القرآن الكريم حول هذا الأمر؟ إذا فكّرنا حول هذا الموضوع ودقَّقنا النظر حول الآيات الكريمة في القرآن الكريم نجد أنّ الله تبارك

١- السيرة الحلبية ١٤١:٢

٢- الأسماء والصفات للبيهقي ٢ : ٤٧٢ .

٥٢٠