×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الإبادة لحكم الوضع على حديث ذكر علي (ع) عبادة / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحة: ١ فارغة
كتاب الإبادة لحكم الوضع على حديث للسيد آل المجـدّد الشيرازي
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

المقدمة

الحمد لله تعالى وكفى، وسلام على عباده الّذين اصطفى، وصلّى الله على سيّدنا محمّـد وعلى آله وخيرة صحبه.

أمّا بعد:

فهذا جزء أفردته للكلام على حديث «ذِكر عليٍّ عبادة» وبيان رتبته، والردّ على مَن حكم بوضعه وعدم ثبوته، ووسمته بـ «الاِبادة لحكم الوضع على حديث: ذِكْرُ عليٍّ عبادة».

والله تعالى أسأل أن يرينا الحقّ حقّاً ويرزقنا اتّباعه، والباطلَ باطلاً ويرزقنا اجتنابه، إنّه وليّ ذلك والقادر عليه، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

٢
اعلم ـ هداكَ الله وأرشدك، وأيّدك بتأييده وسدّدك ـ أنّ هذا الحديث رواه الحسن بن صابر الكِسائي الكوفي، عن وكيع بن الجرّاح، عن هشام ابن عروة، عن أبيه، عن عائشة.

وقد رُويَ عنه من طريقين:

الاَوّل: ما أخرجه الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق(١) قال: أخبرنا أبو الحسن السلمي، أنبأنا أبو القاسم بن أبي العلاء، أنبأنا أبو جابر يزيـد بن عبـدالله، أنبأنا محمّـد بن عمـر الجعابـي، أنبأنا عبـدالله بن يزيـد ـ أبو محمّـد ـ أنبأنا الحسن بن صابر الهاشمي، أنبأنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ذِكر عليٍّ عبادة.

وأخرجه الديلمي في مسند الفردوس من هذا الطريق.

والثاني: ما أخرجه أبو الحسن بن شاذان في المناقب(٢) قال: حدّثني القاضي المعافى بن زكريّا من حفظه، قال: حدّثني إبراهيم بن الفضل، قال: حدّثني الفضل بن يوسف، قال: حدّثني الحسن بن صابر، قال: حدّثني وكيع، قال: حدّثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ذِكْر عليّ بن أبي طالب عبادة. انتهى.

وقد اختلف الرادّون لهذا الحديث في علّته، فأعلّه قوم من جهة الاِسناد، وردّه آخرون من جهة المتن، ومنهم من أبطله من كلتا الجهتين، فيقع الكلام معهم في مقامين:

(١) تاريخ دمشق ـ ترجمة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)٧ ـ ٢|٤٠٨ ح ٩٠٧.

(٢) المناقب: ١٢٨، المنقبة الثامنة والستّون.

٣

المقـام الاَوّل
في الكلام على سنده

فنقول، وبالله تعالى التوفيق:

قال المناوي في التيسير بشرح الجامع الصغير(١): إسناده ضعيف، وكذا قال العزيزي في السراج المنير وكأنّهما قلّدا في ذلك الحافظ جلال الدين السيوطي في الجامع الصغير(٢) حيث رمز لضعف الحديث.

وقال السندروسي في الكشف الاِلهيّ(٣): سنده واهٍ؛ وأخذه الاَلباني وزاد عليه قوله: جـدّاً(٤).

قلت:

لم يتّهموا من رجال الاِسناد ـ في ما وقفت عليه من كلامهم ـ إلاّ الحسن بن صابر، وأعلّوا الحديث به، وجعلوا الآفة فيه منه، ومعوَّلهم في ذلك كلام ابن حبّان فيه، فلنذكره ولنبيّن زيفه بحول الله وقوّته.

قال في كتاب المجروحين(٥): الحسن بن صابر الكسائي من أهل الكوفة، يروي عن وكيع بن الجرّاح وأهل بلده، روى عنه العراقيّون، منكَر

(١) التيسير بشرح الجامع الصغير ٢|٢٠.

(٢) الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير ٢|٦٦٥ ح ٤٣٣٢.

(٣) الكشف الاِلهيّ ١|٣٥٨.

(٤) سلسلة الاَحاديث الضعيفة والموضوعة ٤|٢١٦.

(٥) كتاب المجروحين ١|٢٣٩.

٤
الرواية جدّاً عن الاَثبات، ممّن يأتي بالمتون الواهية عن الثقات بأسانيد متّصلة. انتهى.

ثمّ ساق له حديثاً مرفوعاً عن وكيع، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة.

وقال الذهبي بترجمته في ميزان الاعتدال(١): الحسن بن صابر الكسائي عن وكيع، قال ابن حبان: منكَر الحديث. انتهى.

ولم يتكلَّم فيه أحد من أئمّة الجرح والتعديل سوى ابن حبّان، ولم يُترجَم في غير كتابه، وأمّا الذهبي فإنّه مقلّد له في ذلك، فلا اعتداد بكلامه.

ومع ذلك فإنّ جرح ابن حبّان للكسائي مردود من وجوه:

الاَوّل: أنّ ابن حبّان ـ هو نفسه ـ متَّهم مجروح، بل رُمي بالعظائم، ومن قلّة حيائه وعدم تعظيمه لحرمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تكلّمه في عليّ بن موسى الرضا عليه الصلاة والسلام، وقوله: إنّه يروي عن أبيه العجائب كأنّه كان يَهِم ويخطىَ ـ كما حكاه أبو سعد السمعاني في الاَنساب ـ(٢).

وعلى من لا يحترم العترة الطاهرة من الله ما يستحقّه(٣).

وحكى الذهبي بترجمته في (الميزان) و (التذكرة)(٤) عن أبي عمرو ابن الصلاح في طبقات الشافعيّة أنّه قال: غلط الغلط الفاحش في تصرّفاته.

قال الذهبي: صدق أبو عمرو، له أوهام يتبع بعضها بعضاً. انتهى.

قلـت:

وسيأتي ـ بعد هذا إن شاء الله ـ ذكر جملة من أوهامه في نقد الرجال.

(١) ميزان الاعتدال ١|٤٩٦.

(٢) الاَنساب ٣|٧٤ ـ الرضا ـ، تهذيب التهذيب ٤|٢٤٤.

(٣) فتح الملك العليّ: ١٣٠ ـ ١٣١.

(٤) ميزان الاعتدال ٣|٥٠٧، تذكرة الحفّاظ ٣|٩٢١.

٥
ومَن كان هذا حاله كيف يعوِّل اللبيب على كلامٍ انفرد به، ولا متابع له عليه إلاّ من اغترّ به؟!

فتنبّه ـ يرحمك الله ـ

الثاني: أنّ الجهابذة النقّاد، وأئمّة الرجال والاِسناد قد تكلَّموا في جرح ابن حبّان للرواة، وبيّنوا غلطه في كثير من أحكامه، فلنسرد هنا نتفاً من ذلك، لينجلي لك وَهْيُ كلامه، وينكشف خطؤه في حكمه وإبرامه، ولتذعن بصدق ما ادّعيْناه، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله.

فمنهـا: قوله في أفلح بن سعيد ـ أبي محمّـد المدني ـ: يروي عن الثقات الموضوعات، لا يحلّ الاحتجاج به، ولا الرواية عنه بحال. انتهى.

وأفلح هذا احتجّ به مسلم والنسائي، ووثّقه ابن معين وابن سعد.

وتنزّل الذهبي في ميزان الاعتدال(١) للردّ عليه، فقال: ربما قصّب(٢) الثقة حتّى كأنّه لا يدري ما يخرج من رأسه. انتهى.

ومنهـا: قوله في سويد بن عمرو الكلبي: كان يقلب الاَسانيد، ويضع على الاَسانيد الصحاح المتون الواهية. انتهى.

وردّه الذهبي في (الميزان)(٣) فقال: أسرف واجترأ.

وقال الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب(٤): أفحش ابن حبّان القول فيه، ولم يأتِ بدليل.

وقد احتجّ به مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة، ووثّقه ابن معين

(١) ميزان الاعتدال ١|٢٧٤، تهذيب التهذيب ١|٢٣٣.

(٢) أي: عاب وشتم، انظر: لسان العرب ١١|١٧٨ مادّة «قصب».

(٣) ميزان الاعتدال ٢|٥٣.

(٤) تقريب التهذيب: ٢٦٠.

٦
والنسائي والعجلي.

ومنهـا: طعنـه في عثمان بن عبـدالرحمن الطرائفـي، وقد احتجّ به أبو داود والنسائي وابن ماجة، ووثّقه ابن معين وابن شاهين.

قال الذهبي في ميزان الاعتدال(١): وأمّا ابن حبّان فإنّه يقعقع كعادته، فقال فيه: يروي عن قوم ضعفاء أشياء يدلِّسها عن الثقات، حتّى إذا سمعها المستمع لم يشكّ في وضعها، فلمّا كثر ذلك في أخباره أُلزقت به تلك الموضوعات، وحمل الناس عليه في الجرح، فلا يجوز عندي الاحتجاج بروايته كلّها بحال. انتهى.

وتعقّبه الذهبي بأنّه لم يروِ في ترجمته شيئاً، ولو كان عنده له شيء موضوع لاَسرع بإحضاره.

قال: وما علمتُ أنّ أحداً قال في عثمان بن عبـدالرحمن هذا: إنّه يدلِّس عـن الهلكـى، إنّمـا قالـوا: يأتي عنهم بمناكيـر، والكلام في الرجال لا يجوز إلاّ لتامّ المعرفة تامّ الورع. انتهى.

قلـت:

أمعِن نظر الاِنصاف والتحقيق في هذا الحرف الاَخير من كلامه، وليته بادر للردّ على ابن حبّان ـ في ترجمة ابن صابر ـ بمثل هذا، بل بأقلّ منه، مع أنّ القدح فيه أخفّ وأيسر من جرح الطرائفي، لكن هيهات أن تطاوعه نفسه على ذلك، بل أقرّ ابن حبّان على جرحه المجروح لكون الرجل روى حديث الباب، وتلك (شنشنة أعرفها من أخزم).

بل ظنّي أنّ الكسائي لو كان يسلم من طعن ابن حبّان لَما كان يسلم

(١) ميزان الاعتدال ٣|٤٥ ـ ٤٦.

٧
من لسان ذلك الشامي الخبيث، الذي يغيظ ويستشيط ويأخذه الزَمَع إذا مرّ على منقبـة من مناقب الاِمـام علـيّ أمير المؤمنين عليـه الصلاة والسلام، وأهل البيت الطيّبين الطاهرين الكرام (قل موتوا بغيظكم إنّ الله عليمٌ بذات الصدور)(١).

ومن سرح نظره في تراجم رواة الفضائل من (الطبقات) و(الميزان) لشاهد بالعيان كيف يُجنّ الذهبي ويأخذ في وصم الرجل وطعنه وسبّه من غير ذنبٍ، عدا روايته الفضائل والمناقب، نسأل الله السلامة من مخازي النواصب.

ومنهـا: قوله في محمّـد بن الفضل السدوسي ـ المعروف بعارِم ـ شيخ البخاري، وقد احتجّ به الستّة ووثّقه أبو حاتم والنسائي والدارقطني والذهلي والعجلي، وروى عنـه البخاري أكثر من مائة حديث، كما حكاه الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب(٢) عن (الزهرة) ـ: اختلط في آخر عمره وتغيَّر حتّى كان لا يدري ما يحدّث به، فوقع في حديثه المناكير الكثيرة، فيجب التنكّب عن حديثه في ما رواه المتأخّرون، فإن لم يعلم هذا من هذا تُرك الكُلّ، ولا يحتجّ بشيء منها. انتهى.

وتعقّبه الذهبي فقال: لم يقدر ابن حبّان أن يسوق له حديثاً منكَراً، فأين ما زعم؟!

وقال أيضاً ـ بعد ذكر توثيقه عن الدارقطني ـ: فهذا قول حافظ العصر الذي لـم يأتِ بعد النسائي مثله، فأين هذا القول من قول ابن حبّان الخسّاف المتهوّر؟!

(١) سورة آل عمران ٣: ١١٩.

(٢) تهذيب التهذيب ٥|٢٦٩.

٨

قلـت:

فعُلم من هذا أنّ ابن حبّان قد يطلق القول في الراوي من دون مستند، فكيف يقبل جرحه للرواة؟!

وإذا تأمّلت ما سُقناه لك هنا لا أراك تتوقّف في ردّ كلامه في الحسن ابن صابر، لا سيّما وأنّه متّهم في مثل هذا الكوفيّ، لاَنّه روى حديثاً في فضل ذِكر أمير المؤمنين الاِمام عليٍّ عليه الصلاة والسلام، وابن حبّان وأضرابه ممّن لا يطيبون نفساً بسماع ذلك، ولا يطيقون السكوت عليه ـ كما ستعرف إن شاء الله تعالى ـ.

الثالـث: أنّ ابن حبّان له أوهام كثيرة يتبع بعضها بعضاً ـ كما قال الذهبيّ ـ، فيذكر الرجل في المجروحين ثمّ يذكره في الثقات، وهذا تناقض بيِّن، وتسامح غير هيِّن، فلذا أوجبت كثرة أوهامه سقوط كلامه!

فمـن ذلك: ذكره دهثم بن قُرّان في الكتابين(١)، قال الذهبيّ في (الميزان)(٢)

فذكره في الثقات فأساء، وقد ذكره أيضاً في الضعفاء فأجاد.

ومن ذلك: ذكره زياد بن عبدالله النميريّ في المجروحين والثقات(٣)، قال الذهبي(٤): فهذا تناقض.

ومـن ذلك: ذكره عبـدالرحمن بن ثابت بن الصامت في كتابيه(٥)،

(١) المجروحين ١|٢٩٥، الثقـات ٦|٢٩٣.

(٢) ميزان الاعتدال ٢|٢٩.

(٣) كتاب المجروحين ١|٣٠٦، الثقـات ٤|٢٥٥ ـ ٢٥٦.

(٤) ميزان الاعتدال ٢|٩١.

(٥) كتاب المجروحين ٢|٥٥، الثقـات ٥|٩٥.

٩
قال الذهبي(١): قال ابن حبّان: فحش خلافه للاَثبات فاستحقّ الترك، وذكره أيضاً في الثقات، فتساقط قولاه.

ومن غرائب أوهامه ما ذكره في ترجمة بشر بن شعيب بن أبي حمزة الحمصي، قال الحافظ ابن حجر: قال ابن حبّان في كتاب الثقات: «كان متقناً» ثمّ غفل غفلة شديدة فذكره في الضعفاء، وروى عن البخاري أنّه قال: تركناه.

قال ابن حجر: وهذا خطأ من ابن حبّان: نشأ عن حذفٍ؛ وذلك أنّ البخاريّ إنّما قال في تاريخه: «تركناه حيّاً سنة اثنتي عشرة» فسقط من نسخة ابن حبّان لفظة «حيّـاً» فتغيَّر المعنى. انتهى(٢).

الرابـع: أنّ ابن حبّان من المتعنّتين المشّدّدين الّذين يجرحون الراوي بأدنى جرح، ويطلقون عليه ما لا ينبغي إطلاقه عند أُولي الاَلباب، كأبي حاتم والنسائي وابن معين وابن القطّان ويحيى القطّان وغيرهم، فإنّهم معروفون بالاِسراف في الجرح والتعنّت فيه.

ومن كان من الجارحين هذا ديدنه فإنّ توثيقه معتبر، وجرحه مردود، إلاّ إذا وافقه غيره ممّن يُنْصف ويُعتبَر ـ كما قال أبو الحسنات عبـد الحيّ اللكنوي في الرفع والتكميل(٣).

قلـت:

ولم يوافق ابن حبّان على جرحه الحسن بن صابر أحدٌ ـ ولله الحمد ـ

(١) ميزان الاعتدال ٢|٥٥٢.

(٢) التاريخ الكبير ٢|٧٦ رقم ١٧٤٣، هدي الساري ـ مقدّمة فتح الباري ـ: ٤١٢.

(٣) الرفع والتكميل: ٢٧٤.

١٠
ممّن يُنْصف ويُعتبَر.

وقال أيضاً(١): لا يحلّ لك أن تأخذ بقول كلّ جارحٍ في أيّ راوٍ كان، وإن كان ذلك الجارح من الاَئمّة، أو من مشهوري علماء الاَُمّة، فكثيراً ما يوجد أمر يكون مانعاً من قبول جرحه، وحينئذٍ يحكم بردّ جرحه. انتهى.

وقال في الاَجوبة الفاضلة(٢): ابن حبّان له مبالغة في الجرح في بعض المواضع.

قلـت:

حسبك شهادة هذا الخرّيت المتضلّع والناقد المضطلع دليلاً على ردّ جرح ابن حبّان وأمثاله من المتعنّتين المشّدّدين، كيف لا (وشهد شاهدٌ من أهلها)(٣).

الخامـس: أن يقال: إنّ وصف ابن صابر بكونه «منكَر الحديث» ماذا أراد به؟

فإن عنى أنّه روى حديثاً واحداً، فهذا غلط فاحش، لاَنّ ابن حبّان نفسه روى له في كتاب المجروحين حديثاً آخر غير حديث الترجمة ـ كما مرّ ـ بل ظاهر قوله: «إنّه يروي عن أهل بلده» يعني الكوفة، يقتضي تعدّد أحاديثه، فتدبّر.

وإنْ قصد بقوله: «منكَر الحديث» أنّه لا تحلّ الرواية عنه ـ كما حكي عن البخاري ـ فإنّ ذلك جرح مبهم، يُردّ عليه، إذ لا يعرف للحسن بن

(١) الرفع والتكميل: ٢٦٥.

(٢) الاَجوبة الفاضلة: ١٧٩.

(٣) سورة يوسف ١٢: ٢٦.

١١
صابر ما يوجب ردّ حديثه جملةً، بل لو صرّح ابن حبّان بذلك لم يؤخذ به، فقد رُدّ عليه مثله ـ كما مرّ آنفاً ـ.

وإنْ أراد بذلك الفردَ الذي لا متابع له ـ كما أطلقه أحمد بن حنبل ـ فإنّه منقوض بمتابعة غيره له ـ كما سيأتي إن شاء الله تعالى ـ.

على أنّه لا يلزم من روايته المناكير ـ لو سُلّم ـ أن يكون ممّن لا يُحتجّ بـه، كمـا قال الذهبي بترجمة أحمد بن عتاب المروزي من (الميزان)(١): ما كلّ من روى المناكير يضعّف.

وقال شيخ الاِسلام الحافظ ابن حجر في لسان الميزان(٢): لو كان من روى شيئاً منكَراً استحقّ أن يُذكر في الضعفاء لَما سلم من المحدّثين أحد، لا سيّما المكثر منهم. انتهى.

وقال ابن دقيق العيد(٣): قولهم: «روى مناكير» لا يقتضي بمجرّده ترك روايته، حتّى تكثر المناكير في روايته. انتهى.

قلـت:

وأنّى لابن حبّان إثبات ذلك في حقّ الكسائي، ومنه تعرف أنّ رميه الرجل بنكارة الحديث فيه تساهل، بل هو منكَر من القول وزور، فلا ينبغي أن يعرّج عليه، ولا يركن إليه، والله المستعان.

السـادس: هبْ أنّ ابن حبّان صادق في قوله، لكنّ رمي الراوي بنكارة الحديث لا يوجب بإطلاقه ردّ حديثه، والحكم عليه بالوضع ـ كما

(١) ميزان الاعتدال ١|١١٨.

(٢) لسان الميزان ٢|٣٠٨.

(٣) فتح الملك العليّ: ١٣٥.

١٢
توهّم الخصوم ـ لاَنّه لم يُتّهم بالكذب، ولا بوضع الحديث.

قال الشيخ الاِمام تقيّ الدين السُبْكي: إنّ ممّا يجب أن يُتنبَّه له أنّ حُكـم المحدّثيـن بالاِنكـار والاستغـراب قـد يكون بحسب تلك الطريق، فلا يلزم من ذلك ردّ متن الحديث. انتهى(١).

قلـت:

وكم من راوٍ قيل فيه «منكَر الحديث» أو ما في معناه، ومع ذلك احتجّ به الشيخان في الصحيحين، وغيرهما من أرباب السنن من دون تريّث ولا مبالاة بما وُصم به، وهاك منهم على سبيل الاِجمال:

١ ـ أحمد بن شعيب بن سعيد الحبطي، روى له البخاري والنسائي وأبو داود.

قال أبو الفتح الاَزدي: منكَر الحديث، غير مرضيّ.

٢ ـ وأسيد بن زيد الجمّال، روى عنه البخاري في الرقاق.

قال ابن حبّان: يروي عن الثقات المناكير، ويسرق الحديث، بل قال ابن معين: حدّث بأحاديث كذب.

٣ ـ وتوبة بن أبي الاَسد العنبري، روى له الشيخان وأبو داود والنسائي.

قال الاَزدي: منكَر الحديث.

٤ ـ وحسّان بن حسّان ـ وهو حسّان بن أبي عبّاد البصري ـ روى عنه البخاري.

قال أبو حاتم: منكَر الحديث.

(١) شفاء السقام في زيارة خير الاَنام: ٢٩.

١٣
٥ ـ وحميد بن الاَسود البصري، روى له البخاري وأصحاب السُنن.

قال أحمد بن حنبل: ما أنكر ما يجيء به!

٦ ـ وخيثم بن عراك بن مالك الغفاري، روى له البخاري ومسلم والنسائي.

قال الاَزدي: منكَر الحديث.

٧ ـ وعبـدالرحمن بن شريح بن عبـدالله بن محمود المعافري، احتجّ به الجماعة.

قال ابن سعد: منكَر الحديث.

٨ ـ والمفضّل بن فضالة القتباني المصري، اتّفق الجماعة على الاحتجاج به.

قال ابن سعد: منكَر الحديث.

٩ ـ وموسى بن نافع الحنّاط، روى له الشيخان والنسائي وأبو داود.

قال أحمد بن حنبل: منكَر الحديث.

فلو كان قولهم: «منكَر الحديث» موجِباً لطرح حديث الراوي لَلَزم إبطال جملة وافرة من أحاديث الكتب الستّة وغيرها، ولا يلتزم به منهم أحد.

ولمّا أعلّ ابن الجوزي حديث أنس ـ عند الترمذي ـ: «اللّهمّ أحيني مسكيناً، وأمتني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين»، بقوله: لا يصحّ، لاَنّ فيه الحارث بن النعمان، منكَر الحديث؛ تُعُقِّب بأنّ ذلك لا يقتضي الوضع ـ كما في تنزيه الشريعة المرفوعة(١) لابن عرّاق ـ.

(١) تنزيه الشريعة المرفوعة ٢|٣٠٤.

١٤
فلو سلَّمنا قول ابن حبّان في الحسن بن صابر وصدّقناه، فإنّ حديثه هذا ليس منكَراً، لوجود المتابع، فلا وجه لردّ حديثه جملةً.

ولعلّ فـي إيراد ابن حبّـان حديثـاً آخـر في ترجمتـه ـ شاهداً على مقالته ـ دون حديث الباب إشعاراً بما ذكرنا، والله أعلم.

وبالجملـة:

فقوله في الرجل «منكَر الحديث» لا يدلّ على أنّ كلّ ما رواه منكَر حتّى هذا الحديث ـ كما مرّ عن الذهبي ـ بل جاز أن يراد به أن له مناكير وقعت في أحاديثه، كمـا قالوا ذلك في جماعة، كإبراهيم بن المنذر الحزامي، والحكم بن عبـدالله البصري، والفضل بن موسى السيناني، ومحمّـد بن إبراهيم بن الحارث التيميّ ـ الذي إليه المرجع في حديث «إنّما الاَعمال بالنيّات» ـ ومحمّـد بن طلحة بن مصرف الكوفي.

وهؤلاء احتجّ بهم البخاريّ وغيره، فتبيَّن فساد رأي من ردّ الحديث من المتأخّرين اغتراراً بكلام ابن حبّان، وانكشف وهن قول الاَلبانيّ: إنّ الحسن هذا متّهم، ووهى.

وكذا تعقّبُه على المُناوي ـ إذ أعلّ حديث الترجمة في فيض القدير(١) بقول ابن حبّان ـ: بأنّ ذلك يقتضي أنّ إسناده ضعيف جدّاً، وأنّ قوله في التيسير: «إسناده ضعيف» غاية في التقصير(٢).

هذا مع جزمه سابقاً بأنّ الحديث موضوع(٣).

(١) فيض القدير ٣|٥٦٥.

(٢) سلسلة الاَحاديث الضعيفة والموضوعة ٤|٢١٧.

(٣) سلسلة الاَحاديث الضعيفة والموضوعة ٤|٢١٦.

١٥
ومن هنا تذعن بضعف هذا الاَلبانيّ في هذا العلم الشريف وقصوره فيه، وعدم اتّباعه للمتقرّر عند أهله، إذ حكم على الحديث أوّلاً بأنّه موضوع ـ وهو شرّ الضعيف، لاَنّه لا درجة بعده مطلقاً ـ ثمّ ذكر أنّ إسناده ضعيف جدّاً، وهذا تناقض عظيم، وجهل كبير يعلمه طلبة نخبة الفكر، لاَنّ السند الضعيف لا يصل أن يكون به الحديث موضوعاً، بل يحتمل أن يكون واهيـاً يرتفع إلى درجـة الضعيف، بخلاف الحديث الموضوع، فإنّه لا يرتفع إلى درجة الضعيف مطلقاً، ولا تنفع فيه المتابعات والشواهد ـ كما أفاد شيخنا ابن الصدّيق أدام الله حراسته(١).

السابـع: أنّ ممّا يكاد أن يُقطع به أنّ ابن حبّان لم يقل في ابن صابر «منكَر الحديث جدّاً» إلاّ لكونه كوفيّاً روى في فضل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام، وهذا عنده ذنب لا يغفر، وبمثله يُرمى الرجل بالتشيّع فيُردّ حديثه، وهذه عادة النواصب اللئام ـ قبّحهم الله تعالى وأخزاهم ـ في أكثر ما روي من مناقب آل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وقلوبهم المنكَرة تنكِر مـا ثبت في ذلك، حتّـى إنّ أحدهـم إذا لم يجد مطعناً في الاِسناد قال ـ متعنّتاً ـ: في النفس من هذا الحديث شيءٌ، أو: إنّ القلب ليشهد ببطلانه، وما ذلك إلاّ من جفائهم للعترة الطاهرة المطهَّرة، وسعيهم في إطفاء نور الله تعالى ـ والعياذ بالله ـ.

ومن تتبّع كلام الغويّ الجوزجاني وابن قايماز التركماني وأضرابهما من ألدّاء النواصب أذعن لما قلنا، أمّا فضائل خصومهم التي ما أنزل الله بها من سلطان فلا ترى فيها شيئاً من ذلك التشدّد المقيت، والتقوّل السخيف،

(١) بيان نكث الناكث: ٣٤.

١٦
وهم أعلم الخلق بكذبها وبطلانها، لكنّ حبّ الشيء يُعمي ويُصمّ، وهوان آل محمّـد صلى الله عليه وآله وسلم على هؤلاء الاَجلاف الجفاة حملهم على ذلك، فلا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم.

وأمّا قول السندروسي في كتابه الكشف الاِلهيّ عن شديد الضعف والموضوع والواهي(١) ـ في حديث الباب ـ: إنّ سنده واهٍ.

فليس بشيء؛ لاَنّه فسَّر الواهي: بأنّه ما يوجد في سنده كذّابان أو أكثر، قال: يعني في كلّ طريقٍ من طرقه(٢). انتهى.

وليت شعري، كيف وهّى السند مع عدم اشتماله على كذّاب واحد، فضلاً عن كذّابَيْن، فضلاً عن تحقّق ذلك في كلّ طريق من طرقه؟! فناقض بذلك نفسه!

وقد تحصّل ـ ممّا مرّ ـ أنّ ابن صابرٍ الكسائي غير مطعون فيه، وأنّ جرح ابن حبّان إيّاه بنكارة الحديث ـ مع تفرّده به واختلافهم في قبول الجارح الواحد ـ مردودٌ عليه، لِما بيّنّـا من حاله في جرح الرواة، ومبلغ ذلك عند الاَئمّة النقّاد.

فإنْ قال قائل:

يلزم ممّا قرّرتَ أن يكون الحسن بن صابر في عِداد المجهولين.

قلنـا:

لا يضرّه ذلك، لاَنّ المراد إمّا جهالة العين أو جهالة الوصف.

(١) الكشف الاِلهيّ ١|٣٥٨.

(٢) الكشف الاِلهيّ ١|٦٥.

١٧
فإنْ أُريد جهالة العين ـ وهو غالب اصطلاح أهل هذا الشأن في هذا الاِطلاق ـ فذلك مرتفع عنه، لاَنّه قد روى عنه عبـدالله بن يزيد والفضل بن يوسف القصَباني، وبرواية اثنين تنتفي جهالة العين، فكيف برواية العراقيّين عنه ـ كما ذكر ابن حبّان في ترجمته ـ مضافاً إلى أنّه عرّفه فوصفه بما ذكره.

وإن أُريد جهالة الوصف، فغاية الاَمر أنّه مستور، لاَنّ ظاهر أمره على العدالـة، وقد قبـل روايتـه ـ أعني المستـور ـ جماعة بغير قيد(١) كأبي حنيفة ـ وتبعه ابن حبّان ـ إذ العدل عنده من لا يُعرف فيه الجرح.

قـال: والناس في أحوالهـم على الصلاح والعدالـة، حتّى يظهر منهم ما يوجب الجرح ـ كما في شرح الشرح(٢) للقاري ـ.

قال أبو عمرو بن الصلاح: يشبه أن يكون العمل على هذا الرأي في كثير من كتب الحديث المشهورة في غير واحد من الرواة الّذين تقادم العهد بهم وتفّدرت الخبرة الباطنة بهم(٣)، وصححّه النووي في شرح المهذّب كما في تدريب الراوي(٤).

وقال في علوم الحديث(٥): حكى الاِمام أبو المظفّر السمعاني وغيره عن بعض أصحاب الشافعي(٦): أنّه تُقبل رواية المستور وإن لم تقبل

(١) كما في نزهة النظر ـ شرح «نخبة الفكر» للحافظ ابن حجر ـ: ١٠٠، فواتح الرحموت بشرح مسلَّم الثبوت ٢|١٤٦.

(٢) شرح الشرح ـ للقاري ـ: ١٥٤.

(٣) علوم الحديث: ١١٢.

(٤) تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي ١|٢٦٨.

(٥) علوم الحديث: ٣٣.

(٦) وهو سُليم بن أيوب الرازي، كما يُعلـم من علوم الحديث: ١١٢، جمع الجوامع ـ لابـن السُبَكـي ـ ٢|١٥٠، المطبـوع مـع «حاشيـة البنّانـي» و «تدريـب الـراوي» ـ للحافظ السيوطي ـ ١|٢٦٨.

وهو مذهب ابن فَوْرَك أيضاً، كما في جمع الجوامع ٢|١٥٠.

١٨
شهادته.

قال ابن الصلاح: ولذلك وجه متّجه. انتهى.

وقال أيضاً: الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستورٍ لم تتحقّق أهليّته، غير أنّه ليس مغفَّلاً كثير الخطأ في ما يرويه، ولا هو متّهم بالكذب ـ أي لم يظهر منه تعمّد الكذب في الحديث ـ ولا سببٍ آخر مُفسِّق، ويكون متن الحديث مع ذلك قد عُرف، بأن رُوي مثله أو نحوه من وجه آخر أو أكثر، حتّى اعتضد بمتابعة مَن تابع راويه على مثله، أو بما له من شاهد ـ وهو ورود حديث آخر بنحوه ـ فيخرج بذلك عن أن يكون شاذّاً أو منكَراً(١).

قال: وكلام الترمذي على هذا القسم يتنّزل. انتهى.

قلـت:

فجهالـة حال ابـن صابـر ـ بل حتّـى التكلّـم فيـه بنكـارة الحديـث ـ لا تضرّه في المقام، إذ قد توبِع على حديثه من طريق حمدان بن المعافى فبانَ، أنّه لم يتفرّد به.

وقد روى هذه المتابعة الاِمام الحافظ الفقيه ابن المغازلي الشافعي في (المناقـب)(٢)، قال: أخبرنـا أبو الحسـن أحمـد بن المظفّـر بن أحمـد العطّار ـ الفقيه الشافعي ـ بقراءتي عليه فأقرَّ به، قلت: أخبركم أبو محمّـد عبـدالله بن محمّـد بن عثمـان المزنـي ـ الملقّـب بابـن السقّا ـ الحافـظ

(١) علوم الحديث: ٣١.

(٢) مناقب علي بن أبي طالب (عليه السلام) ـ لابن المغازلي ـ: ١٩٥ ـ ١٩٦.

١٩
الواسطي، قال: حدّثني محمّـد بن علي بن معمر الكوفي، حدّثنا حمدان بن المعافى، حدّثنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ذِكْرُ عليٍّ عبادة.

وهذه متابعة تامّة ثبت بها خروج الحسن بن صابر من عهدة الحديث، وزالت عنه التهمة، وظهر أنّه لا يدور عليه ـ خلافاً لِما توهّمه المبطلون ـ.

أمّا أبو جعفر حمدان بن المعافى الصبيحي، مولى جعفر بن محمّـد الصادق عليهما السلام، فقد روى عن موسى الكاظم عليه السلام وأبي الحسن الرضا عليه السلام، وقد دَعَوا له.

وأمّا صاحبه أبو الحسين محمّـد بن عليّ بن معمّر الكوفي، فقد ذكر الشيخ الاِمام أبو جعفر الطوسي رحمه الله تعالى في (رجاله): أنّ التلعكبري سمع منه سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، وله منه إجازة.

فإن قال قائـل:

قد قرّروا أنّ الداعية إذا روى ما يؤيّد مذهبه فإنّ حديثه يُردّ بالاِجماع.

قلنـا:

إنّ هذه حيلة احتالها النواصب ـ أعداء الله وأعداء رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ـ لردّ أحاديث الفضائل والمناقب الواردة في عليّ وعترته الزكيّة، فزعموا أنّ راويها إذا كان متشيِّعاً فإنّ حديثه مردود، ولكن هذا كلّه ـ والله ـ باطل من رأسه، فلا تشيّع الراوي يوجب ردّ حديثه، ولا روايته في فضل عليٍّ وآله.

وهل يروي فضائلهم إلاّ شيعتهم ومحبّوهم؟!

٢٠