×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الانتصار (ج3) (مناظرات الشيعة في شبكات الانترنت) / الصفحات: ٤٦١ - ٤٨٠

ويشك الإنسان في كلمة (من) التي تفردت بها هذه الرواية، وكأن راويها أضافها للمصالحة بين الواقع وبين ما تبنته السلطة، وجعلته مشهورا.

وفي تفسير التبيان ٣ / ٤١٣ وقال عبد الله بن عمر: آخر سورة نزلت المائدة.

وفي الغدير ١ / ٢٢٨: ونقل ابن كثير من طريق أحمد والحاكم والنسائي عن عايشة: أن المائدة آخر سورة نزلت. انتهى.

ويتضح من مجموع ذلك أن المتسالم عليه عند عند أهل البيت عليهم السلام أن آخر ما نزل من القرآن سورة المائدة.. وأنه مؤيد بروايات صحيحة وكثيرة، في مصادر إخواننا.. بل يمكن القول بأن آية اليوم أكملت لكم دينكم وحدها تكفي دليلا على أنها آخر سورة نزلت في آخر ما نزل من كتاب الله تعالى، لأنها تنص على أن نزول الفرائض قد تمت بها، فلا يصح القول بأنه نزل بعدها فريضة، على أنه وردت نصوص بذلك كما تقدم عن الإمام الباقر عليه السلام، وكما سيأتي من رواية الطبري والبيهقي وقول السدي.

وعليه، فكل ما نزل بعدها من القرآن، لا بد أن يكون خاليا من الفرائض والأحكام، لأن التشريع قد تم بنزولها، فلا حكم بعدها!

الآراء المخالفة والمتناقضة:

ولكن هذا الأمر المحدد الواضح، صار غير واضح ولا محدد عندهم!!

وكثرت فيه الروايات وتناقضت! وزاد في الطين بلة أن المتناقض منها صحيح بمقاييسهم! وأنها آراء صحابة كبار لا يجرؤون على ردهم!

٤٦١
ولعل السيوطي استحى من كثرة الأقوال في آخر ما نزل من القرآن، فأجملها إجمالا، ولم يعددها أولا وثانيا كما عدد الأقوال الأربعة في أول ما نزل!! ونحن نعدها باختصار، لنرى أسباب نشأتها!.

١ - أن آخر آية هي آية الربا، وهي الآية ٢٧٨ من سورة البقرة.

٢ - أن آخر آية هي آية الكلالة، أي الورثة من الأقرباء غير المباشرين، وهي الآية ١٧٦ من سورة النساء.

٣ - أنها آية (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله).. البقرة - ٢٨١.

٤ - أنها آية (لقد جاءكم رسول من أنفسكم).. التوبة - ١٢٨.

٥ - أنها آية (وما أرسلنا من قبلك من رسول) الأنبياء - ٢٥.

٦ - أنها آية (فمن كان يرجو لقاء ربه)... الكهف - ١١٠.

٧ - أنها آية (ومن يقتل مؤمنا متعمدا)... النساء - ٩٣.

٨ - أن آخر سورة نزلت هي: سورة التوبة.

٩ - أن آخر سورة نزلت هي: سورة النصر.

هذا ما جاء فقط في إتقان السيوطي ١ / ١٠١، وقد تبلغ أقوالهم ورواياتهم ضعف هذا العدد، لمن يتتبع المصادر!!

كيف نشأت هذه الآراء المتناقضة؟!:

القصة التالية تعطينا ضوءا على نشأة هذا الاضطراب والضياع:

سئل الخليفة عمر ذات يوم عن تفسير آية الربا وأحكام الربا، فلم يعرفها!

١ فتأسف لأن هذه الآية آخر آية نزلت وأن النبي (ص) توفي ولم يفسرها لنا!

ومن يومها دخلت آيات الربا على الخط، وشوشت على سورة المائدة، وصار ختام ما نزل من القرآن مرددا بين المائدة، وبين آيات الربا!

٤٦٢
ولكن الربا ذكر في أربع سور من القرآن: في الآيتين ٢٧٥ - ٢٧٦ من سورة البقرة، والآية ١٦١ من سورة النساء، والآية ٣٩ من الروم، والآية ١٣٠ من آل عمران... وبعض هذه السور مكي وبعضها مدني! فأي آية منها قصد الخليفة؟

وتبرع المتبرعون وقالوا إن مقصوده الآية ٢٧٨ من سورة البقرة!

فصار مذهبهم أن آخر آية نزلت من القرآن وضعت في سورة البقرة، التي نزلت في أول الهجرة! وصار مذهبهم أن تحريم الربا تشريع إضافي، لأنه نزل بعد آية إكمال الدين!

ولعلهم يتصورون أنه لا بأس بهذه المفارقة في نزول القرآن والوحي، ما دام هدفهم هدفا شرعيا صحيحا هو الدفاع عن الخليفة عمر بن الخطاب!!

- قال السرخسي في المبسوط ٢ / ٥١ و ١٢ / ١١٤: فقد قال عمر رضي الله عنه: إن آية الربا آخر ما نزل، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يبين لنا شأنها!

- وقال الإمام أحمد في مسنده: ١ / ٣٦: عن سعيد بن المسيب قال:

قال عمر رضي الله عنه: إن آخر ما نزل من القرآن آية الربا، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض ولم يفسرها، فدعوا الربا والريبة!! ورواه في كنز العمال ٤ / ١٨٦ عن ش وابن راهويه حم - وابن الضريس، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل.

- وقال السيوطي في الإتقان ١ / ١٠١: وأخرج البخاري عن ابن عباس قال: آخر آية نزلت آية الربا. وروى البيهقي عن عمر مثله... وعند أحمد وابن ماجة عن عمر: (من) آخر ما نزل آية الربا. انتهى.

٤٦٣
ولكن إضافة (من) في رواية البيهقي لا تحل المشكلة، كما لم تحلها في سورة المائدة، لأن الروايات الأخرى ليس فيها (من) وهي نص على أن آية الربا آخر ما نزل!

قصة ثانية:

وذات يوم سئل الخليفة عمر عن معنى الكلالة فتحير فيها، واستعصى عليه فهمها. والكلالة هم ورثة الميت غير القريبين. فقال الخليفة: إنها آخر آية نزلت، وتوفي النبي قبل أن يبينها له، أو بينها له بيانا ناقصا!

- ففي البخاري ٥ / ١١٥: عن البراء رضي الله عنه قال: آخر سورة نزلت كاملة براءة، وآخر آية نزلت خاتمة سورة النساء: يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة... ونحوه في ٥ / ١٨٥.

- وقال السيوطي في الإتقان ١ / ١٠١: فروى الشيخان عن البراء بن عازب قال: آخر آية نزلت: يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة، وآخر سورة نزلت براءة.

- وفي مسند أحمد ٤ / ٢٩٨: عن البراء قال: آخر سورة نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم كاملة براءة، وآخر آية نزلت خاتمة سورة النساء:

يستفتونك... إلى آخر السورة... إلى آخره!

ومن يومها دخلت آية الكلالة على الخط، وشاركت في التشويش على سورة المائدة! وصار ختام ما نزل من القرآن مرددا بين آيات الربا والكلالة، وبقية المائدة بما فيها آيتا العصمة من الناس، وإكمال الدين!

وقد راجعت ما تيسر لي من مصادر إخواننا في مسألة الربا والكلالة، فهالتني مشكلة الخليفة معهما، خاصة مسألة الكلالة، حتى أنه جعلها من

٤٦٤
القضايا الهامة على مستوى قضايا الأمة الإسلامية الكبرى، وكان يطرحها من على منبر النبي صلى الله عليه وآله ويدعو المسلمين إلى مساعدته على حلها!

ففي صحيح البخاري ٦ / ٢٤٢: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:

خطب عمر على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنه قد نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة أشياء: العنب والتمر والحنطة والشعير والعسل.

والخمر ما خامر العقل. وثلاث وددت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفارقنا حتى يعهد إلينا عهدا: الجد، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا.

انتهى. ورواه مسلم في ٢ / ٨١، بتفصيل أكثر، وروى نحوه في ٥ / ٦١ و ٨ / ٢٤٥، ورواه ابن ماجة في ٢ / ٩١٠، وقال عنه السيوطي في الدر المنثور ٢ / ٢٤٩: وأخرج عبد الرزاق والبخاري ومسلم وابن جرير وابن المنذر عن عمر... ويدل هذا الصحيح المؤكد، على أن عمر لم يسأل النبي صلى الله عليه وآله عن الكلالة.

وقد صرح بذلك صحيح الحاكم الذي رواه في المستدرك ٢ / ٣٠٣، فقال: محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة يحدث عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: أكون سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثلاث أحب إلي من حمر النعم: عن الخليفة بعده، وعن قوم قالوا نقر بالزكاة في أموالنا ولا نؤديها إليك، أيحل قتالهم؟ وعن الكلالة. هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. انتهى.

ولكن في صحيح مسلم أن عمر سأل النبي صلى الله عليه وآله عنها مرارا!!

- قال مسلم في ٥ / ٦١: عن معدان بن أبي طلحة أن عمر بن الخطاب خطب يوم جمعة فذكر نبي الله صلى الله عليه وسلم، وذكر أبا بكر ثم قال:

٤٦٥
إني لا أدع بعدي شيئا أهم عندي من الكلالة! ما راجعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في شئ ما راجعته في الكلالة! وما أغلظ لي في شئ ما أغلظ لي فيه، حتى طعن بإصبعه في صدري وقال: يا عمر ألا تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء؟! وإني إن أعش أقض فيها بقضية يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن. انتهى.

يعني أنه سأل النبي صلى الله عليه وآله عنها مرارا فوضحها له مرارا، ولكنه كرر سؤاله حتى غضب عليه النبي صلى الله عليه وآله لعدم فهمه لشرحه إياها!

بل يدل الصحيحان التاليان على أن النبي صلى الله عليه وآله أخبر عمر أنه سوف لن يفهم الكلالة طول عمره، أو دعا عليه بذلك!

- ففي الدر المنثور ٢ / ٢٥٠: وأخرج العدني والبزار في مسنديهما، وأبو الشيخ في الفرائض، بسند صحيح عن حذيفة قال:

نزلت آية الكلالة على النبي صلى الله عليه وسلم في مسير له، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا هو بحذيفة فلقاها إياه، فنظر حذيفة فإذا عمر فلقاها إياه.

فلما كان في خلافة عمر، نظر عمر في الكلالة فدعا حذيفة فسأله عنها، فقال حذيفة: لقد لقانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيتك كما لقاني، والله لا أزيدك على ذلك شيئا أبدا. انتهى.

- وفي كنز العمال ١١ / ٨٠: حديث ٣٠٦٨٨، عن سعيد بن المسيب أن عمر سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف يورث الكلالة؟

قال: أوليس قد بين الله ذلك، ثم قرأ: وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة... إلى آخر الآية، فكأن عمر لم يفهم! فأنزل الله: يستفتونك قل

٤٦٦
الله يفتيكم في الكلالة.. إلى آخر الآية، فكأن عمر لم يفهم! فقال لحفصة:

إذا رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم طيب نفس، فاسأليه عنها.

فقال (رسول الله): أبوك ذكر لك هذا؟ ما أرى أباك يعلمها أبدا!!

فكان يقول: ما أراني أعلمها أبدا، وقد قال رسول الله ما قال!!

وذكر في مصدره أنه صححه ابن راهويه أو ابن مردويه.

- بل روى السيوطي في الدر المنثور ٢ / ٢٤٩: أن النبي صلى الله عليه وآله قد كتبها لعمر في كتف! قال: وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن مردويه عن طاوس، أن عمر أمر حفصة أن تسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكلالة، فسألته فأملاها عليها في كتف، وقال: من أمرك بهذا؟

أعمر؟ ما أراه يقيمها!!

أو ما تكفيه آية الصيف؟!! قال سفيان: وآية الصيف التي في النساء (وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة). فلما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، نزلت الآية التي في خاتمة النساء. انتهى.

فانظر إلى هذه التناقضات في أحاديث عمر والكلالة، وكلها صحيحة!!

ولاحظ أن الكلالة هي إحدى المسائل الثلاث التي قال البخاري إن النبي صلى الله عليه وآله لم يبينها للأمة، ولا سأل عمر النبي عنها!

مع أن روايتهم الصحيحة تقول إن النبي صلى الله عليه وآله قد بينها مرات وكتبها في كتف، والكتابة على الكتف كانت لما يهتم به أكثر لأن الكتف هو الجلد، وهو أدوم من القرطاس!

وأما المسألة الثانية التي هي الخلافة، فقد روى البخاري نفسه أيضا أن النبي صلى الله عليه وآله دعا بدواة وكتف ليكتب للأمة الإسلامية كتابا لا تضل

٤٦٧
كتاب الإنتصار (ج٣) للعاملي (ص ٤٦٨ - ص ٤٩٠)
٤٦٨

بقية الأقوال:

لا نطيل في ذكر بقية الأقوال، وأحاديثها الصحيحة عندهم، بل نجملها إجمالا:

- ففي صحيح البخاري ٥ / ١٨٢: قال سمعت سعيد بن جبير قال: آية اختلف فيها أهل الكوفة، فرحلت فيها إلى ابن عباس، فسألته عنها فقال:

نزلت هذه الآية: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم) النساء - ٩٣.

هي آخر ما نزل، وما نسخها شئ.

- وفي البخاري ٦ / ١٥: عن سعيد بن جبير قال: اختلف أهل الكوفة في قتل المؤمن، فرحلت فيه إلى ابن عباس فقال: نزلت في آخر ما نزل، ولم ينسخها شئ.

- وفي الدر المنثور ٢ / ١٩٦: وأخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن جرير والطبراني من طريق سعيد بن جبير قال:

اختلف أهل الكوفة في قتل المؤمن، فرحلت فيها... هي آخر ما نزل وما نسخها شئ.

وأخرج أحمد، وسعيد بن منصور، والنسائي، وابن ماجة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس في ناسخه، والطبراني من طريق سالم بن أبي الجعد، عن ابن عباس... قال: لقد نزلت في آخر ما نزل ما نسخها شئ حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما نزل وحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: أرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى؟ قال: وأنى له بالتوبة؟!.

٤٦٩
- وفي مجموع النووي ١٨ / ٣٤٥: قوله تعالى: ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جنهم خالدا فيها. الآية. في صحيح البخاري... هي آخر ما نزل وما نسخها شئ. وكذا رواه مسلم والنسائي من طرق عن شعبة به. ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل بسنده عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في الآية فقال: ما نسخها شئ. انتهى.

فهل يمكن لمسلم أن يقبل هذه الروايات الصحيحة من البخاري أو غيره، ومن ابن عباس أو غيره، ويلتزم بأن تحريم قتل المؤمن تشريع إضافي في الإسلام، نزل بعد آية إكمال الدين؟!

وفي مستدرك الحاكم ٢ / ٣٣٨: عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس رضي الله عنهما عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: آخر ما نزل من القرآن: لقد جاءكم رسول من أنفسكم، عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم. حديث شعبة عن يونس بن عبيد صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. انتهى.

وهذه الرواية الصحيحة على شرط الشيخين نقصد الآيتين ١٢٨ - ١٢٩، من سورة التوبة.

- وفي الدر المنثور ٣ / ٢٩٥: وأخرج ابن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وابن منيع في مسنده، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، من طريق يوسف بن مهران، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب قال: آخر آية أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم - وفي لفظ أن آخر ما نزل من القرآن - لقد جاءكم رسول من أنفسكم. إلى آخر.. الآية.

٤٧٠
وأخرج عبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد المسند، وابن الضريس في فضائله، وابن أبي دؤاد في المصاحف: وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، والخطيب في تلخيص المتشابه، والضياء في المختارة، من طريق أبي العالية، عن أبي بن كعب، أنهم جمعوا القرآن في مصحف في خلافة أبي بكر، فكان رجال يكتبون ويملي عليهم أبي بن كعب، حتى انتهوا إلى هذه الآية من سورة براءة: ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم...

قوم لا يفقهون، فظنوا أن هذا آخر ما نزل من القرآن، فقال أبي بن كعب:

إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أقرأني بعد هذا آيتين: لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم، فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم. فهذا آخر ما نزل من القرآن. قال: فختم الأمر بما فتح به بلا إله إلا الله، يقول الله:

وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا يوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون.

وأخرج ابن أبي دؤاد في المصاحف عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: أراد عمر بن الخطاب أن يجمع القرآن فقام في الناس فقال: من كان تلقى من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من القرآن فليأتنا به، وكانوا كتبوا ذلك في الصحف والألواح والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد شهيدان، فقتل وهو يجمع ذلك إليه.

فقام عثمان بن عفان فقال: من كان عنده شئ من كتاب الله فليأتنا به، وكان لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد به شاهدان، فجاء خزيمة بن ثابت فقال: إني رأيتكم تركتم آيتين لم تكتبوهما! فقالوا: ما هما؟ قال: تلقيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم.. إلى آخر السورة.

٤٧١
فقال عثمان: وأنا أشهد أنهما من عند الله، فأين ترى أن نجعلهما؟

قال: أختم بهما آخر ما نزل من القرآن، فختمت بهما براءة. انتهى.

وشبيه به في سنن أبي داود: ١ / ١٨٢

- وفي صحيح مسلم ٨ / ٢٤٣: عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال:

قال لي ابن عباس: تعلم (وقال هارون تدري) آخر سورة نزلت من القرآن نزلت جميعا؟ قلت: نعم، إذا جاء نصر الله والفتح. قال: صدقت.

وفي رواية ابن أبي شيبة: تعلم أي سورة، ولم يقل آخر.

- وفي سنن الترمذي ٤ / ٣٢٦: وقد روي عن ابن عباس أنه قال: آخر سورة أنزلت: إذ جاء نصر الله والفتح.

- وفي الغدير ١ / ٢٢٨: وروى ابن كثير في تفسيره ٢ / ٢: عن عبد الله بن عمر أن آخر سورة أنزلت سورة المائدة والفتح يعني النصر.

- وفي الدر المنثور ٦ / ٤٠٧: وأخرج ابن مردويه والخطيب وابن عساكر عن أبي هريرة في قوله: إذا جاء نصر الله والفتح، قال: علم، وحد حده الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، ونعى إليه نفسه، إنك لا تبقى بعد فتح مكة إلا قليلا.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه عن ابن عباس قال: آخر سورة نزلت من القرآن جميعا: إذا جاء نصر الله والفتح.

- وفي المعجم الكبير للطبراني ١٢ / ١٩: عن ابن عباس قال: آخر آية أنزلت: واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله. انتهى. وهي الآية ٢٨١ من سورة البقرة!

٤٧٢
ونذكر في آخر مصائبهم في هذا الموضوع: أن معاوية بن أبي سفيان أدلى بدلوه في هذا الموضوع، ونفى على المنبر أن تكون آية اليوم أكملت لكم دينكم.. آخر ما نزل، وأفتى للمسلمين بأن آخر آية نزلت هي الآية ١١٠ من سورة الكهف، وأنها كانت تأديبا من الله لنبيه!!

ففي المعجم الكبير للطبراني ١٩ / ٣٩٢: عمرو بن قيس أنه سمع معاوية بن أبي سفيان على المنبر نزع بهذه الآية: اليوم أكملت لكم دينكم.. قال:

نزلت يوم عرفة في يوم جمعة، ثم تلا هذه الآية: فمن كان يرجو لقاء ربه...

وقال: إنها آخر آية نزلت... تأديبا لرسول الله.. انتهى.

وقد التفت السيوطي إلى أن كيل التناقض قد طفح لإبعاد آية إكمال الدين عن ختم القرآن، وحجة الوداع، وغدير خم.. فاستشكل في قبول قول معاوية وعمر! ولكنه مر بذلك مرورا سريعا، على عادتهم في التغطية والتستير، والروغان! قال في الإتقان ١ / ١٠٢: من المشكل على ما تقدم قوله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم، فإنها نزلت بعرفة في حجة الوداع وظاهرها إكمال جميع الفرائض والأحكام قبلها. وقد صرح بذلك جماعة منهم السدي، فقال: لم ينزل بعدها حلال ولا حرام مع أنه ورد في آية الربا والدين والكلالة أنها نزلت بعدها!

وقد استشكل ذلك ابن جرير وقال: الأولى أن يتأول على أنه أكمل لهم الدين بإفرادهم بالبلد الحرام، وإجلاء المشركين عنه حتى حجه المسلمون، لا يخالطهم المشركون!. انتهى.

ومعنى كلام ابن جرير الطبري الذي ارتضاه السيوطي: أن حل التناقض في كلام الصحابة بأن نقبله ونبعد إكمال الدين وإتمام النعمة عن التشريع،

٤٧٣
وتنزيل الأحكام والفرائض، ونحصره بتحرير مكة فقط!! حتى تسلم لنا أحاديث عمر عن الكلالة والربا، وحديث معاوية في أن الله كان يوبخ النبي ويؤدبه إلى آخر آية!!

إنها فتوى تتكرر أمامك من علماء الخلافة القرشية بوجوب قبول كلام الصحابة - ما عدا أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله - حتى لو استلزم ذلك تفريغ الآيات والأحاديث من معانيها! فالمهم عندهم درجة العصمة (العملية) للصحابة، وأن يكون كلامهم حاكما على كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وآله!!

ثم يفرضون عليك أن تقبل ذلك وتغمض عينيك، وتصم سمعك عن صراخ ضحاياهم من الآيات الظاهرة والأحاديث الصحيحة!!

ونتيجة هذا المنطق: أن آية اليوم أكملت لكم دينكم ليست آخر آية، ولا سورتها آخر سورة، ولا معناها أكملت لكم الفرائض والأحكام، بل أكملت لكم فتح مكة! وأن معنى اليوم في الآية ليس يوم نزول الآية، بل قبل سنتين من حجة الوداع!

وسوف تعرف أن الخليفة عمر أقر في جواب اليهودي أن معنى اليوم في الآية: يوم نزولها، وليس يوم فتح مكة! بل قال القرطبي إن اليوم هنا بمعنى الساعة التي نزلت فيها الآية، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

فكتب (مشارك) بتاريخ ٢ - ٧ - ١٩٩٩، الواحدة صباحا:

ستكون لي وقفات مع بحثك هذا يا عاملي:

٤٧٤
الوقفة الأولى: تقول: (فصار مذهبهم أن آخر آية نزلت من القرآن وضعت في سورة البقرة، التي نزلت في أول الهجرة! وصار مذهبهم أن تحريم الربا تشريع إضافي، لأنه نزل بعد آية إكمال الدين...).

ماذا تقصد بأن تحريم الربا تشريع إضافي، ومن قال بهذا من العلماء، حتى ننظر في قيمة بحثك.

وكتب (الشمري) بتاريخ ٣ - ٧ - ١٩٩٩، الرابعة صباحا:

شكرا يا عاملي.

وكتب (مشارك) بتاريخ ٤ - ٧ - ١٩٩٩، السابعة صباحا:

لماذا لم تجب يا عاملي؟

فكتب (العاملي) بتاريخ ٤ - ٧ - ١٩٩٩، الثانية ظهرا:

لا بد أنك قرأت قوله تعالى: (فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم، وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم)، فهل رأيت أحدا يقول لمن طرق بابه إرجع؟! إن عدم جوابه قول!

وأنت عندما تقبل أن آخر آية نزلت هي آية الربا أو الكلالة، أو غيرها من آيات الفرائض والأحكام قد نزلت بعد آية إكمال الدين، فمعناه أنك جعلتها تشريعات إضافية بعد تمام الدين!!

إن آية إكمال الدين صريحة لا تقبل التأويل عند من يجوزونه يا مشارك.

أما عندكم فهو من الأصل حرام، فكيف تصحح حديثا يقول إن هذا التشريع وهذا الجزء من الدين، نزل بعدها؟

٤٧٥
وكتب (مشارك) ٤ - ٧ - ١٩٩٩، الثالثة ظهرا:

عندما لا يستطيع الإنسان أن يجد مطعنا في مذهب أهل السنة والجماعة، يأخذ في نسبة أقوال لم تنسب إليهم، ويكذب ويقول إنهم قالوا به، وعندما يطالب بالبينة يعجز عن ذلك!

وهذا حال أهل البدع قديما وحديثا، ويبدو أنه لا فائدة من...

فكتب (العاملي) ٤ - ٧ - ١٩٩٩، الخامسة عصرا:

كلمتك بكلام علمي مستدل عليه بآية كريمة، فلم يكن لك جواب عليه إلا أن ادعيت أنك أهل السنة والجماعة، واتهمتنا بأننا أهل بدع عاجزون عن الجواب!!

فمن العاجز يا مشارك؟ إسأل شخصا ثالثا محايدا؟!

أما أنكم أتباع ابن تيمية فنعم، وأما أهل السنة والجماعة فلا، لأنكم تكفرون كل من خالف رأيكم من المسلمين من أهل السنة والشيعة!!

إن البلاد الإسلامية السنية من مصر والمغرب إلى إفريقيا وإندونيسيا..

وكلها عامرة والحمد لله بمشاهد وضرائح أهل البيت عليهم السلام والأولياء الصالحين وهم يزورونهم، وأنتم تكفرونهم بسبب ذلك.. فكيف تتكلم باسمهم يا مشارك؟!

نعم يصح أن تتكلم باسم من تمثل فكرهم، وهم فئة من الأقلية الوهابية الآخذة بالتناقص يوما فيوما والحمد لله.

وإن يكن فيك خير يأت بك الله تعالى، إلى التوحيد والتنزيه الذي عليه المسلمون السلف والخلف، ويخرجك من العجز عن الجواب على حديث العماء!

٤٧٦
وكتب (جميل ٥٠) بتاريخ ٦ - ٧ - ١٩٩٩، التاسعة صباحا:

وليس العجز في حديث العماء، فقط وإنما العجز في حديث الاثني عشر، والعجز في حديث فقئ موسى لعين... والعجز في حديث الثقلين... فقد عاد مخصوما في كل ذلك.

ثم العجز عن الخلق الرفيع فنرى أيسر كلمة على لسان السلف والإسلام و...

كذاب كافر ماجن!!! (فيالحلم الله.. ويالممسك غضبه أن يسبق رحمته..)

وكتب (ايتو) بتاريخ ٦ - ٧ - ١٩٩٩، السادسة مساء:

لك النصر دائما يا أخي العاملي.

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد.

* *

(ثم واصل (العاملي) نشر بحثه في شبكة أنا العربي، بتاريخ ٢ - ٧ - ١٩٩٩، الثامنة مساء، بعنوان (بحث في وقت نزول آية اليوم أكملت لكم دينكم؟) قال فيه:

نص الآية الكريمة وسياقها:

يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا، وإذا حللتم فاصطادوا، ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا، وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، واتقوا الله إن الله شديد العقاب.

٤٧٧
حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم، وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام، ذلكم فسق، اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون - اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا - فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم. المائدة ٢ - ٣

آية إكمال الدين و.. اللحوم المحرمة:

أول ما يواجه الباحث في آية إكمال الدين غرابة مكانها في القرآن! فظاهر ما رواه المحدثون والمفسرون فيها، أنها نزلت في حجة الوداع، آية مستقلة لا جزء آية.. ثم يجدها في القرآن جزءا من آية اللحوم المحرمة، وكأنها حشرت في وسطها حشرا، بحيث لو رفعنا آية إكمال الدين منها لما نقص من معناها شئ، بل لاتصل السياق! فما هي الحكمة من هذا السياق؟ وهل كان هذا موضعها الأصلي من القرآن، أم وضعت هنا باجتهاد بعض الصحابة؟!

نحن لا نقبل القول بوقوع تحريف في كتاب الله تعالى، لكن نتساءل عسى أن يعرف أحد الجواب: ما هو ربط آية إكمال الدين باللحوم المحرمة؟ فهل وجدها الذين جمعوا القرآن في وقت متأخر، فوضعوها هنا؟!! فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن الصحابة اجتهدوا في مكان وضع الآيات في المصحف!!

ثم.. قد يقبل الإنسان أن تكون الآية نزلت بعد آيات بيان أحكام اللحوم، ولكن هل يمكن أن ينزلها الله تعالى في وسط أحكام اللحوم؟! فإذا قال الله تعالى: أكملت لكم دينكم، فقد تمت الأحكام، فكيف يقول بعدها مباشرة: فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم؟!

٤٧٨
ثم يقول بعدها مباشرة: يسألونك ماذا أحل لهم، قل أحل لكم الطيبات وما علمتم... إلى آخر أحكام الدين، الذي قال عنه أحكم الحكماء سبحانه قبل لحظات: إنه قد أكمله وأتمه؟!!!!

- قال في الدر المنثور ٢ / ٢٥٩: وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله:

اليوم أكملت لكم دينكم قال: هذا نزل يوم عرفة، فلم ينزل بعدها حرام ولا حلال. انتهى.

- وقال في ٢ / ٢٥٧: وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس...

فلما كان واقفا بعرفات نزل عليه جبريل وهو رافع يده والمسلمون يدعون الله: اليوم أكملت لكم دينكم، يقول حلالكم وحرامكم، فلم ينزل بعد هذا حلال ولا حرام. انتهى.

والأحاديث والأقوال في عدم نزول أحكام بعد الآية كثيرة، وقد مر بعضها، ولا تحتاج إلى استقصائها بعد أن كان ذلك يفهم من الآية نفسها..

ويؤيده ما ذكره اللغويون في معنى الكمال والتمام.

- وقال الزبيدي في تاج العروس ٨ / ١٠٣: الكمال: التمام وهما مترادفان كما وقع في الصحاح وغيره، وقد فرق بينهما بعض أرباب المعاني، وأوضحوا الكلام في قوله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي، وبسطه في العناية، وأوسع الكلام فيه البهاء السبكي في عروس الأفراح.

وقيل: التمام الذي تجزأ منه أجزاؤه كما سيأتي، وفيه ثلاث لغات كمل كنصر وكرم وعلم، قال الجوهري والكسر أردؤها، وزاد ابن عباد: كمل يكمل مثل ضرب يضرب، نقله الصاغاني كمالا وكمولا فهو كامل وكميل جاؤوا به على كمل.

٤٧٩
وقال في / ٢١٢: وتمام الشئ وتمامته وتتمته ما يتم به، وقال الفارسي:

تمام الشئ ما تم به - بالفتح - لا غير، يحكيه عن أبي زيد. وتتمة كل شئ ما يكون تمام غايته، كقولك هذه الدراهم تمام هذه المائة، وتتمة هذه المائة.

قال شيخنا: وقد سبق في كمل أن التمام والكمال مترادفان عند المصنف وغيره، وأن جماعة يفرقون بينهما بما أشرنا إليه. وزعم العيني أن بينهما فرقا ظاهرا ولم يفصح عنه.

وقال جماعة: التمام الإتيان بما نقص من الناقص، والكمال الزيادة على التمام، فلا يفهم السامع عربيا أو غيره من رجل تام الخلق إلا أنه لا نقص في أعضائه، ويفهم من كامل، وخصه بمعنى زائد على التمام كالحسن والفضل الذاتي أو العرضي.

فالكمال تمام وزيادة، فهو أخص. وقد يطلق كل على الآخر تجوزا، وعليه قوله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي. كذا في كتاب التوكيد لابن أبي الأصبع.

وقيل التمام يستدعي سبق نقص، بخلاف الكمال، وقيل غير ذلك، مما حرره البهاء السبكي في عروس الأفراح، وابن الزملكاني في شرح التبيان، وغير واحد.

قلت وقال الحراني: الكمال: الانتهاء إلى غاية ليس وراءها مزيد من كل وجه.

وقال ابن الكمال: كمال الشئ: حصول ما فيه الغرض منه، فإذا قيل كمل فمعناه حصل ما هو الغرض منه. انتهى.

٤٨٠