×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الانتصار (ج4) (مناظرات الشيعة في شبكات الانترنت) / الصفحات: ٤٢١ - ٤٤٠

ومن تتبع سيرته صلى الله عليه وآله يجد ما قلناه عين الصواب، والحال أن هذا العمل المذكور أي العبوس قد يكون مستنكرا من أقل الناس، فما بالك بأشرف خلق الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله؟!.

الأمر الثاني: أنه لا دليل على هذه المقالة، وعلى فرض وجوده فلا بد من رده وذلك لمخالفته للقرآن الكريم.

الأمر الثالث: أن الأحاديث قد دلت على أن الآية نزلت في عثمان بن عفان.

المصدر: ردود عقائدية ص ١٥ - دار الصديقة الشهيدة - مكتب سماحة المرجع الديني آية الله العظمى الميرزا جواد التبريزي - دمشق - السيدة زينب.

جواب آية الله العظمى الميرزا جواد التبريزي:

المروي عن الأئمة نزول الآية المذكورة في رجل كان في مجلس النبي (ص)، والآية المباركة عتاب ولوم لذلك الرجل الحاضر في مجلس النبي (ص).

المصدر: الحوزة العلمية تدين الانحراف - ص ١٥٣ - تأليف: محمد علي المشهدي - الطبعة الأولى - ١٤١٨ ه.

جواب آية الله العظمى الشيخ محمد تقي بهجت الغروي:

تقدم أن العصمة والحفظ بمباديهما اختياريان، وإن كانا معلومين في حق البعض. والعدول في آية عبس وتولى من الغيبة إلى الخطاب يوجب حمل أحدهما على الآخر. فإن كان المضمون منافيا للعصمة العالية الواقعية تعين حمل الخطاب على الغيبة، فالمورد حينئذ غير النبي (ص). وإن لم يكن المضمون منافيا لهذه العصمة أمكن العكس وهو حمل الغيبة على الخطاب.

٤٢١
والرواية الخاصة عن أهل البيت (ع) تعين الأول دون الثاني، وهو الموافق لمرتكزات وعقائد أهل الحق أعزهم الله تعالى.

المصدر: البرهان القاطع - ص ٤٧ - دار الإيمان - الطبعة الأولى ١٤١٨ ه.

وكتبت (إيمان)، الثالثة والنصف ظهرا:

أعجب لمن يتبع الرسول صلى الله عليه وآله ويقول بعصمتهم سلام الله عليهم وأخلاقهم العظيمة (وهم كذلك وأولى بها). كيف يسهل عليه أن يغلظ القول على إخوته لمجرد الاختلاف في الرأي؟!!. العصمة لهم عليهم السلام ثابتة عندنا في كل شئ، ولكن معنى ودرجات العصمة هي مدار الاختلاف.. فهل العبوس في وجه أعمى بالملابسات التي تحيط بالقضية (باطن الآية) يخالفها أو لا؟!

وأقول لا، بالنسبة للمتجرد من الهوى والتقليد!!

وكيف يخالفها وبقية البشر مثلنا لا يطيقون سماع رأي مخالف، فيكفرون ويفسقون ويغلظون القول على مخالفيهم!!

أنا لا أؤيد ولا أنفي أن الآية تقصد أعظم البشر أخلاقا صلى الله عليه وآله .. ولكن المقصود أن من لا يعرف أخلاقهم لا يملك أن يحكم على عصمتهم وما يقدح فيها.. فهم معصومين (كذا) بأقصى ما يتهيأ للبشر من عصمة، وهذا يكفي!! وأضيف أن العصمة تتكامل عندهم، كما يتكاملون سلام الله عليهم في كل شئ.. والرسول صلى الله عليه وآله يقول (أدبني ربي فأحسن تأديبي) فظاهر الآية إن كانت في رسول الله صلى الله عليه وآله لا تدل إلا على أن الله تعالى يؤدب حبيبه بما يحب أن يكون عليه.. وما العبوس من أجل

٤٢٢
إعلاء كلمة الله تعالى ورغبة في نشر دينه لا لهوى النفس بذنب يعتنى به لغيره، ولكن الله تعالى يعتب عليه إرادة لتكميله.

وحسنات الأبرار سيئات عند المقربين. والرسول أقرب إليه من كل مقرب!

فلذلك لا داعي للتكلف في هذه المسألة والإصرار على الرأي، وكأن من قال بشئ مخالف قد كفر!! ويكفينا أن نعرف لهم عليهم السلام منزلتهم وعصمتهم، وهي التي لا يبلغها أحد من الأولين والآخرين.. ونقول: أن ذنوبهم (إن كان لهم ذنوب) هي مما لا يمكن أن تقاس عليه ذنوبنا.. فهم في شأن وباقي الخلق كلهم في شأن آخر!! اللهم صل على محمد وآل محمد وعرفنا حقهم ومنزلتهم.

وكتب (الموسوي)، الرابعة عصرا:

الأخت الفاضلة إيمان. لا أدري من تقصدين في التغليظ بالقول ولكن مما لا شك فيه إذا كان هناك مستند شرعي للتغليظ (وأنا أتحدث الآن على سبيل الافتراض) كما في المبدعين والضالين فالأمر مختلف ولا يمكن اعتباره مجرد اختلاف في الرأي.

ونحن الآن نتكلم فيما هو الحق ولم نتهم أحدا بالتكفير، وإن حكمنا على أحد بأحكام معينة فلأسباب مذكورة في محلها، يضاف إليها صفة الشذوذ الحاكمة على المنهج. ويجب أن نفرق بين منهج الشذوذ وبين الرأي الشاذ في مسألة ومسألتين أو ثلاث. ولي ملاحظة على قولك: (أنا لا أؤيد ولا أنفي أن الآية تقصد أعظم البشر أخلاقا صلى الله عليه وآله... ولكن المقصود أن من لا يعرف أخلاقهم لا يملك أن يحكم على عصمتهم وما يقدح فيها).

٤٢٣
فهل يتصور هذا العبوس مع من تعبرين عنه أنه أعظم البشر أخلاقا؟. وإذا حصلت لنا معرفة بأخلاقهم بما جاء في القرآن والحديث فكيف لا نحكم على ما جاء بما ينافي ذلك؟

كيف ترفضين أن النبي (ص) لا يبول قائما؟. أليس من حقي أن أسأل بنفس كلامك (ولكن المقصود أن من لا يعرف أخلاقهم لا يملك أن يحكم على عصمتهم وما يقدح فيها). فكيف لك أن تعرفي أن هذا (البول قائما) يقدح في عصمة النبي (ص)؟؟. ولا منافاة بين تأديب الله لهم وبين عدم العبوس!

بل إن الثاني مترتب على الأول. وللحديث بقية.

وكتب (الراصد)، العاشرة مساء:

نحن أيها الإخوة الكرام لا نريد تأكيد هذه الرواية أو رفضها، بل نريد أن نثير المسألة حول إمكان نسبة القصة إلى النبي أو عدم إمكانه، لنتبنى إمكان ذلك من دون منافاة لخلقه العظيم، ولعصمته في عمله وذلك في ضمن نقاط:

النقطة الأولى: إن دراستنا لعلاقة النبي (ص) بهذا الأعمى تدل على أن هناك صلة وثيقة بينهما بحيث كان يدخل على النبي (ص) وهو جالس بين زوجاته، وقد اشتهرت الرواية التي تتضمن دخوله عليه، وعنده عائشة وأم سلمة، فقال لهما: احتجبا فقالتا: إنه أعمى فقال: أنتما تريانه. وإذا كان ذلك قد حدث في المدينة، بالإضافة إلى استخلافه عليها عند خروجه إلى الغزو، فإنه يدل على عمق الصلة منذ البداية، لا سيما إذا سلمنا بالرواية التي تتضمن سؤاله الملح بأن يتلو عليه كتاب الله، ويعلمه مما علمه الله، مما يدل

٤٢٤
على الروحية الإيمانية التي تستوعب المعرفة الدينية للقرآن وللإسلام بالمستوى الذي ينتهز فيه الفرصة الدائمة لاكتساب العلم.

إن ذلك كله قد يوحي بوحدة الحال بينه وبين النبي (ص) بحيث يغيب عن العلاقة أي طابع رسمي، مما يجعل إعراض النبي (ص) اعتمادا على ما بينهما من الصلة التي تسمح له بتأخير الحديث معه إلى فرصة أخرى، من دون أن يترك أي أثر سلبي في نفسه، لا سيما إذا كان ذلك لمصلحة الدين التي تجعل أي مسلم في زمن الدعوة الأول يفرح لنجاح النبي (ص) في استمالته لأي شخص من كفار قريش الوجهاء في مجتمعهم، باعتبار أن ذلك يخفف العذاب والحصار على المسلمين المستضعفين، ومنهم ابن أم مكتوم..

وبذلك يكون إعراض النبي (ص) عنه كإعراضه عن أحد أفراد أصحابه أو عائلته، اتكالا على ما بينهما من صلات عميقة ووحدة صلة..

كما أن العبوس لم يكن عبوس الاحتقار، بل قد يكون أقرب إلى عبوس المضايقة النفسية التي توجد تقلصا في الوجه عندما يقطع أحد على الإنسان حديثه الذي يرقى إلى مستوى الأهمية لديه.. فلا يكون في ذلك أي عمل غير أخلاقي، فلا يتنافى مع الآيات التي أكدت خلقه العظيم وسعة صدره.

النقطة الثانية: إن مدلول الآيات يوحي بأن النبي (ص) كان يستهدف من حديثه مع هؤلاء الصناديد، تزكيتهم الفكرية والروحية والعملية بعيدا عن مسألة الاهتمام بغناهم من ناحية ذاتية في ما اعتاده الناس من الاهتمام بالغني تعظيما لغناه ورغبة في الحصول على ماله فيما يمثله ذلك من قيمة سلبية بالمستوى الأخلاقي، الذي يؤكد على تقييم الشخص لصفاته الفكرية، والعملية الإيجابية، وذلك هو قوله تعالى: أما من استغنى فأنت له تصدى وما

٤٢٥
عليك ألا يزكى. للإيحاء له بأن عدم حصوله على التزكية، بعد إقامة الحجة عليه، من قبلك، مدة طويلة، لا يمثل مشكلة بالنسبة إليك لأنك لم تقصر في تقديم الفرص الفكرية بما قدمته من أساليب الإقناع، مما جعل من التجربة الجديدة تجربة غير ذات موضوع، لأنه يرفض الهداية من خلال ما يظهر من سلوكه، الأمر الذي يجعل من الاستغراق في ذلك مضيعة للوقت، وتفويتا لفرصة مهمة أخرى، وهي تنمية معرفة هذا المؤمن الداعية الذي يمكن أن يتحول إلى عنصر مؤثر في الدعوة الإسلامية.

فأين هي المشكلة الأخلاقية المنافية للعصمة في هذا كله؟

النقطة الثالثة: إن السورة قد تكون واردة في مقام توجيه النبي (ص) إلى الاهتمام بالفئة المستضعفة التي تخشى الله وتؤمن به، لتعميق تجربتها الروحية، وتنمية معرفتها القرآنية الإسلامية، لأن ذلك هو الذي يمكن أن يقوي قاعدة المجتمع الإسلامي الصغير النامي الذي يملك أفراده الإيمان القوي والالتزام الشديد، ويرفع من مستوى الدعوة في اهتمامات المؤمنين ليتحولوا إلى دعاة أكفاء، كما أن هذه الفئة هي الأكثر استعدادا لبذل الجهد، وتحمل المسؤوليات وتقديم التضحيات، لأنهم الأقرب إلى روح الدعوة، ولأنهم لم يستغرقوا في خصوصيات الدنيا، ولم يأخذوا بامتيازاتها كما أخذ غيرهم، فهم لا يفقدون شيئا من امتداد الإسلام، كما يفقد الأغنياء والمستكبرون، بل يستفيدون من ذلك.

ولعل هذا ما نستوحيه من الظاهرة المعروفة، وهي أن أتباع الأنبياء والمصلحين هم الفئة المستضعفة المرذولة في المجتمع، لأن الدعوات الرسالية والإصلاحية تعالج مشاكلها، وتلتقي بتطلعاتها، وتحترم إنسانيتها المسحوقة

٤٢٦
لدى الآخرين من المستكبرين. أما الأغنياء، فإن هدايتهم قد تحقق بعض الربح، وبعض النتائج الإيجابية على مستوى إزالة المشاكل، التي كانوا يثيرونها أمام الدعوة، عن الطريق، ولكنهم لا يستطيعون التخلص من رواسبهم بشكل سريع، مما قد يجعل الانصراف إليهم والانشغال بهم عن غيرهم، موجبا لبعض النتائج الصغيرة، على حساب النتائج الكبيرة.

وعلى ضوء ذلك، فقد تكون هذه الآيات واردة للحديث عن المقارنة بين الاهتمام بتزكية المستضعفين من المؤمنين الذين هم القوة الحركية للدعوة، وبين الاهتمام بتزكية هؤلاء الذين قد يحتاج الموضوع لديهم إلى جهد كبير، لا يملك النبي (ص) الوقت الكثير له في اهتماماته العامة، في الوقت الذي لم تكن فرص هدايتهم كبيرة، كما أنهم لن يؤثروا تأثيرا كبيرا لمصلحة الدعوة، مع ملاحظة مهمة، وهي أن قوة الدعوة التي يحققها المستضعفون، في جهدهم وجهادهم، سوف تحقق الامتداد للإسلام، بحيث يدخل هؤلاء المستكبرون فيه بشكل سريع، لأن هؤلاء لا يخضعون للمنطق - عادة - بل للقوة، وهذا ما لاحظناه في فتح مكة الذي أفسح المجال لدخول الناس في دين الله أفواجا، لأن الإسلام قد بلغ الذروة في القوة آنذاك.

النقطة الرابعة: أن القسوة الملحوظة في الآيات في الحديث مع النبي (ص) تمثل ظاهرة واضحة في أكثر الآيات التي تتصل بسلامة الدعوة واستقامة خطها، سيما في قوله تعالى: (ولو تقول علينا بعض الأقاويل. لا أخذنا منه باليمين * ولقطعنا منه الوتين * فما منكم من أحد عنه حاجزين) (الحاقة: ٤٣ - ٤٧). وقوله تعالى في الحديث عن المحاولات التي يبذلها المشركون للتأثير عليه من أجل الافتراء على الله: (وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك

٤٢٧
لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا. ولولا أن نتبناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا. إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا به نصيرا) الإسراء ٧٣ - ٧٥. وقوله تعالى: لئن أشركت ليحبطن عملك..

وغير ذلك من الآيات، لأن القضية ترقى إلى المستوى الكبير من الأهمية، بحيث لولاها لانحرفت مسيرة الرسالة بانحراف الرسول أو القائد، للإيحاء بأن هذه القضية لا تقبل التهاون حتى في الموارد المستبعدة منها، وذلك، من أجل أن يفهم الدعاة من بعد النبي (ص)، بأن عليهم أن يقفوا في خط الاستقامة ، حتى بالمستوى الذي لا يمثل تصرفهم فيه عملا غير أخلاقي، لأن الغفلة عن الخطوط الدقيقة في المسألة، قد تجر إلى الانحراف بطريقة لا شعورية.

النقطة الخامسة: إن القرآن الكريم قد عمل على تثبيت شخصية النبي (ص) وتأديبه بأدب الله، فيما يريد الله له أن يأخذ به من الكمال الروحي والأخلاقي والعملي، مما يلقي إليه الله علمه، مما قد يختلف عن الخط المألوف عند الناس. ولعل هذه المسألة تدخل في هذه الدائرة، لأن المعروف هو الاهتمام بالأغنياء لقدرتهم على التأثير في المجتمع بطريقة فاعلة كبيرة، بينما لا يملك المستضعفون الفقراء مثل ذلك، فتكون النظرة - على هذا الأساس - نظرة رسالية.. لكنها قد تترك تأثيرا سلبيا على النظرة العامة لسلوك الرسول، لأنهم قد يفكرون بالجانب السلبي في القضية، وهو ملاحظة جانب الغنى في الاهتمام بالأغنياء من جهة النظرة الذاتية إلى قيمة الغنى في المجتمع، فتأتي الآيات لتثير الموضوع، وبهذه الطريقة، لإبعاد السلوك عن الصورة السلبية من حيث الشكل، حتى لو لم تكن هناك سلبية من حيث المضمون، مع ملاحظة مصلحة الدعوة في ذلك كله، وهذا ما نستوحيه من قوله تعالى: (واصبر

٤٢٨
نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا) فإن هذه الآية توحي بأن الله يريد أن يخرج النبي (ص) من الأجواء الضاغطة في العرف الاجتماعي، التي يمكن أن تترك تأثيرها الخفي على نفسه بطريقة لا شعورية، فيلتفت إلى الأغنياء رغبة في الامتيازات الحاصلة عندهم..

وربما كان ذلك على طريقة: إياك أعني واسمعي يا جارة، ليكون الخطاب للأمة، من خلال النبي، ليكون ذلك أكثر فاعلية وتأثيرا إيحائيا في أنفسهم، لأن النبي إذا كان يخاطب بهذه الطريقة في احتمالات الانحراف. فكيف إذا كان الخطاب يراد به غيره.

النقطة السادسة: إن الرواية المنسوبة إلى الإمام الصادق (ع) في أن الحديث عن رجل من بني أمية، لا تتناسب مع أجواء الآيات، لأن الظاهر من مضمونها، أن صاحب القضية يملك دورا رساليا، ويتحمل مسؤولية تزكية الناس، مما يفرض توجيه الخطاب إليه للحديث معه عن الفئة التي يتحمل مسؤولية تزكيتها باعتبارها القاعدة التي ترتكز عليها الدعوة وتقوى بها، في مقابل الفئة الأخرى التي لم تحصل على التزكية، ولا تستحق بذل الجهد الكثير.

وكتب (العاملي) بتاريخ ٢٥ - ٢ - ٢٠٠٠، الواحدة صباحا:

راجعت أقوال المفسرين السنيين في تفسير (عبس وتولى) فوجدت عددا منهم يوافقوننا على أن المخاطب بها ليس النبي صلى الله عليه وآله، بل رجل

٤٢٩
آخر. ومنهم الفخر الرازي في عصمة الأنبياء، والزركشي في البرهان وغيرهما.. ووجدت عددا منهم يميلون إلى أن المخاطب ليس النبي صلى الله عليه وآله.. وعددا منهم يضعف الحديث المشهور الذي نسبه الترمذي إلى عائشة، ولم ينسبه مالك وغيره إليها، بل وقفوا به عند عروة، ورواه بعضهم عنه عن أبيه الزبير..

كما وجدت أن ما نقله بعض الأخوة عن مفسري الشيعة غير صحيح..

فعامة مفسري الشيعة يذكرون الأقوال وينفون أن يكون المخاطب هو الرسول، ثم يقولون ومع تسليمنا أنه المخاطب، فلا يدل على ارتكابه حراما..

الخ. ومنهم من شذ وروى تفسير السنيين، وكأنه قبله..

والنتيجة: أولا: وجود خلاف بين المفسرين السنيين أنفسهم، وبين وبينهم وبين الأغلبية الساحقة من مفسري الشيعة، في أن المخاطب هو النبي صلى الله عليه وآله...

وثانيا: عندما يرى الإنسان أن الثابت بنص القرآن أن النبي صلى الله عليه وآله على خلق عظيم. فهذا يقين. وأن صفات: العبوس، والكلوح، والتولي، وبقية الصفات الشديدة في السورة، لم يثبت بيقين نسبتها إليه، بل بالظن..

فكيف يجرأ على ارتكاب العمل بالظن ونسبة هذه الصفات الذميمة إلى سيد الخلق صلى الله عليه وآله؟! ألا يكفينا ردعا أنه لا يقين عندنا في هذه النسبة؟!!!

أكتفي بعرض أقوال المفسرين الشيعة والسنة في الشخص العابس في السورة، بدون توسع في التحليل:

٤٣٠
كتاب الإنتصار (ج٤) للعاملي (ص ٤٣١ - ص ٤٥٢)
٤٣١

مسألة: فإن قيل: أليس قد عاتب الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله في إعراضه عن ابن أم مكتوم لما جاءه وأقبل على غيره بقوله (عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى) وهذا أيسر ما فيه أن يكون صغيرا. قلنا: أما ظاهر الآية فغير دال على توجهها إلى النبي صلى الله عليه وآله، ولا فيها ما يدل على أنه خطاب له، بل هي خبر محض لم يصرح بالمخبر عنه. وفيها ما يدل عند التأمل على أن المعني بها غير النبي صلى الله عليه وآله، لأنه وصفه بالعبوس، وليس هذا من صفات النبي صلى الله عليه وآله في قرآن ولا خبر مع الأعداء المنابذين، فضلا عن المؤمنين المسترشدين!!

ثم وصفه بأنه يتصدى للأغنياء ويتلهى عن الفقراء، وهذا مما لا يوصف به نبينا عليه السلام من يعرفه، فليس هذا مشبها مع أخلاقه الواسعة وتحننه على قومه وتعطفه! وكيف يقول له: وما عليك ألا يزكى، وهو صلى الله عليه وآله مبعوث للدعاء والتنبيه، وكيف لا يكون ذلك عليه؟! وكأن هذا القول إغراء بترك الحرص على إيمان قومه. وقد قيل إن هذه السورة نزلت في رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله كان منه هذا الفعل المنعوت فيها.

ونحن وإن شككنا في عين من نزلت فيه، فلا ينبغي أن نشك أنها لم يعن بها النبي، وأي تنفير أبلغ من العبوس في وجوه المؤمنين والتلهي عنهم، والإقبال على الأغنياء الكافرين والتصدي لهم؟! وقد نزه الله تعالى النبي صلى الله عليه وآله عما هو دون هذا في التنفير بكثير.

- وقال الشيخ الطوسي في التبيان ج ١٠ ص ٢٦٨:

٤٣٢
واختلفوا فيمن وصفه الله تعالى بذلك، فقال كثير من المفسرين وأهل الحشو: إن المراد به النبي صلى الله عليه وآله، قالوا وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله كان معه جماعة من أشراف قومه ورؤسائهم قد خلا بهم فأقبل ابن أم مكتوم ليسلم، فأعرض النبي صلى الله عليه وآله عنه كراهية أن تكره القوم إقباله عليه، فعاتبه الله على ذلك. وقيل: إن ابن أم مكتوم كان مسلما، وإنما كان يخاطب النبي صلى الله عليه وآله، وهو لا يعلم أن رسول الله مشغول بكلام قوم، فيقول يا رسول الله. وهذا فاسد، لأن النبي صلى الله عليه وآله قد أجل الله قدره عن هذه الصفات وكيف يصفه بالعبوس والتقطيب، وقد وصفه بأنه (على خلق عظيم).

وقال (ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك). وكيف يعرض عمن تقدم وصفه مع قوله تعالى (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه)؟! ومن عرف النبي صلى الله عليه وآله وحسن أخلاقه وما خصه الله تعالى به من مكارم الأخلاق وحسن الصحبة حتى قيل إنه لم يكن يصافح أحدا قط فينزع يده من يده، حتى يكون ذلك الذي ينزع يده من يده! فمن هذه صفته كيف يقطب في وجه أعمى جاء يطلب الإسلام؟!!

على أن الأنبياء عليهم السلام منزهون عن مثل هذه الأخلاق، وعما هو دونها لما في ذلك من التنفير عن قبول قولهم والإصغاء إلى دعائهم. ولا يجوز مثل هذا على الأنبياء من عرف مقدارهم وتبين نعتهم.

وقال قوم: إن هذه الآيات نزلت في رجل من بني أمية كان واقفا مع النبي صلى الله عليه وآله، فلما أقبل ابن أم مكتوم تنفر منه، وجمع نفسه وعبس في وجهه وأعرض بوجهه عنه فحكى الله تعالى ذلك وأنكره معاتبة على ذلك.

٤٣٣
- وقال الطبرسي في مجمع البيان ج ١٠ ص ٢٦٦:

قال المرتضى علم الهدى قدس الله روحه: ليس في ظاهر الآية دلالة على توجهها إلى النبي (ص)، بل هو خبر محض، لم يصرح بالمخبر عنه، وفيها ما يدل على أن المعني بها غيره، لأن العبوس ليس من صفات النبي (ص)، مع الأعداء المباينين، فضلا عن المؤمنين المسترشدين. ثم الوصف بأنه يتصدى للأغنياء، ويتلهى عن الفقراء، لا يشبه أخلاقه الكريمة.

ويؤيد هذا القول قوله سبحانه في وصفه (ص) وإنك لعلى خلق عظيم!

وقوله: (ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك). فالظاهر أن قوله (عبس وتولى) المراد به غيره. وقد روي عن الصادق (ع) أنها نزلت في رجل من بني أمية كان عند النبي (ص)، فجاء ابن أم مكتوم، فلما رآه تقذر منه، وجمع نفسه، وعبر، وأعرض بوجهه عنه، فحكى الله سبحانه ذلك وأنكره عليه. فإن قيل: فلو صح الخبر الأول، هل يكون العبوس ذنبا، أم لا؟

فالجواب: إن العبوس والانبساط مع الأعمى سواء، إذ لا يشق عليه ذلك، فلا يكون ذنبا، فيجوز أن يكون عاتب الله سبحانه بذلك نبيه ليأخذه بأوفر محاسن الأخلاق، وينتهه بذلك على عظم حال المؤمن المسترشد، ويعرفه أن تأليف المؤمن ليقيم على إيمانه، أولى من تأليف المشرك، طمعا في إيمانه.

وقال الجبائي: في هذا دلالة على أن الفعل يكون معصية فيما بعد، لمكان النهي، فأما في الماضي فلا يدل على أنه كان معصية قبل أن ينهى عنه، والله سبحانه لم ينهه إلا في هذا الوقت. وقيل إن ما فعله الأعمى نوع من سوء الأدب، فحسن تأديبه بالإعراض عنه، إلا أنه كان يجوز أن يتوهم أنه أعرض

٤٣٤
عنه لفقره، وأقبل عليهم لرياستهم، تعظيما لهم، فعاتبه الله سبحانه على ذلك. وروي عن الصادق (ع) أنه قال: كان رسول الله (ص) إذا رأى عبد الله بن أم مكتوم قال: مرحبا مرحبا، لا والله لا يعاتبني الله فيك أبدا، وكان يصنع به من اللطف حتى كان يكف عن النبي (ص) مما يفعل به.

- وقال الفيض الكاشاني في تفسير الصافي ج ٥ ص ٢٨٤:

قال نزلت في عثمان وابن أم مكتوم، وكان ابن أم مكتوم مؤذنا لرسول الله وكان أعمى وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وعنده أصحابه وعثمان عنده فقدمه رسول الله على عثمان فعبس عثمان وجهه وتولى عنه فأنزل الله: عبس وتولى، يعني عثمان، أن جاءه الأعمى.

وفي المجمع عن الصادق عليه السلام: نزلت في رجل من بني أمية كان عند النبي فجاء ابن أم مكتوم فلما رآه تقذر منه وجمع نفسه وعبس وأعرض بوجهه عنه فحكى الله سبحانه ذلك وأنكره عليه.

ونحوه في التفسير الأصفى: ٢ / ١٤٠٥، ونحوه في مجمع البحرين: ٣ / ١١٢.

- وقال الطباطبائي في الميزان ج ٢٠ ص ٢٠٠:

وفي الآيات الأربع عتاب شديد، ويزيد شدة بإتيان الآيتين الأوليين في سياق الغيبة لما فيه من الإعراض عن المشافهة، والدلالة على تشديد الانكار وإتيان الآيتين الأخيرتين في سياق الخطاب، لما فيه من تشديد التوبيخ وإلزام الحجة بسبب المواجهة بعد الإعراض، والتقريع من غير واسطة... الآيات غير ظاهرة الدلالة على أن المراد بها هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم بل خبر محض لم يصرح بالمخبر عنه، بل فيها ما يدل على أن المعنى بها غيره، لأن

٤٣٥
العبوس ليس من صفات النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع الأعداء المباينين فضلا عن المؤمنين المسترشدين.

ثم الوصف بأنه يتصدى للأغنياء ويتلهى عن الفقراء، لا يشبه أخلاقه الكريمة كما عن المرتضى رحمه الله. وقد عظم الله خلقه صلى الله عليه وآله إذ قال، وهو قبل نزول هذه السورة: وإنك لعلى خلق عظيم. والآية واقعة في سورة (ن) التي اتفقت الروايات المبينة لترتيب نزول السور على أنها نزلت بعد سورة إقرأ باسم ربك. فكيف يعقل أن يعظم الله خلقه في أول بعثته ويطلق القول في ذلك، ثم يعود فيعاتبه على بعض ما ظهر من أعماله الخلقية ويذمه بمثل التصدي للأغنياء وإن كفروا، والتلهي عن الفقراء وإن آمنوا واسترشدوا.

وقال تعالى أيضا: وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين. الشعراء: ٢١٥، فأمره بخفض الجناح للمؤمنين. والسورة من السور المكية والآية في سياق قوله: وأنذر عشيرتك الأقربين، النازل في أوائل الدعوة.

وكذا قوله: لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين. الحجر: ٨٨، وفي سياق الآية قوله: فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين. الحجر: ٩٤، النازل في أول الدعوة العلنية.

فكيف يتصور منه صلى الله عليه وآله وسلم العبوس والإعراض عن المؤمنين، وقد أمر باحترام إيمانهم وخفض الجناح، وأن لا يمد عينيه إلى دنيا أهل الدنيا.

على أن قبح ترجيح غنى الغني وليس ملاكا لشئ من الفضل، على كمال الفقير وصلاحه بالعبوس والإعراض عن الفقير والإقبال على الغني لغناه، قبح

٤٣٦
عقلي مناف لكريم الخلق الإنساني، لا يحتاج في لزوم التجنب عنه إلى نهي لفظي.

وبهذا وما تقدمه يظهر الجواب عما قيل: إن الله سبحانه لم ينهه صلى الله عليه وآله وسلم عن هذا الفعل إلا في هذا الوقت، فلا يكون معصية منه إلا بعده، وأما قبل النهي فلا! وذلك أن دعوى أنه تعالى لم ينهه إلا في هذا الوقت تحكم ممنوع، ولو سلم، فالعقل حاكم بقبحه، ومعه ينافي صدوره كريم الخلق، وقد عظم الله خلقه صلى الله عليه وآله وسلم قبل ذلك، إذ قال:

(وإنك لعلى خلق عظيم) وأطلق القول.. والخلق ملكة لا تتخلف عن الفعل المناسب لها.

- وقال ابن طاووس في سعد السعود ص ٢٤٨:

(فصل) فيما نذكره من تعليق معاني القرآن، لأبي جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النجاشي ووجدته بصيرا في كثير مما ذكر، فمما ذكره من الوجهة الثانية من القائمة الرابعة من الكراس قبل آخر كراس من الكتاب بلفظه:

بسم الله الرحمن الرحيم. عبس وتولى أن جاءه الأعمى. نزلت في ابن أم مكتوم إلى النبي، فقال أسيد: وعند النبي رجل من عظماء الكفار، فجعل النبي يعرض عنه ويقبل على المشرك فيقول: يا فلان هل ترى لما أقول بأسا؟.

فيقول لا. فأنزلت عبس. يقول على بن موسى بن طاووس: هذا قول كثير من المفسرين ولعل المراد معاتبة كان على الصفة التي تضمنها السورة على معنى إياك أعني واسمعي يا جارة، وعلى معنى قوله تعالى في آيات كثيرة يخاطب به النبي والمراد بها أمته، دون أن تكون المعاتبة للنبي (ص)، لأن النبي إنما كان يدعو المشرك بالله بأمر الله إلى طاعة الله، وإنما يعبس لأجل ما

٤٣٧
يمنعه من طاعة الله، وأين تقع المعاتبة على من هذه صفته، وإلا، فأين وصف النبي الكامل قول الله جل جلاله: أما من استغنى فأنت له تصدى وما عليك ألا يزكى؟! وأما من جاءك يسعى وهو يخشى فأنت تلهى؟!!. فهل هذا القيل عنه تعالى: وما ينطق عن الهوى هو إلا وحي يوحى؟. وهل كان النبي أبدا يتصدى للأغنياء ويتلهى عن أهل الخشية من الفقراء، والله تعالى يقول عنه: بالمؤمنين رؤف رحيم.

وقد تبنى المجلسي في بحار الأنوار ج ١٧ ص ٧٨، قول المرتضى والطبرسي.

- ونقل الميانجي في مواقف الشيعة ج ٣ ص ١٠٦، مناظرة بين علوي عباسي جاء فيها: العلوي: ثم إن السنة ينسبون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما لا يجوز حتى على الإنسان العادي. قال العباسي: مثل ماذا؟. قال العلوي: مثل أنهم يقولون إن سورة عبس وتولى نزلت في شأن الرسول! قال العباسي: وما المانع من ذلك؟

قال العلوي: المانع قوله تعالى: وإنك لعلى خلق عظيم، وقوله: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين، فهل يعقل أن الرسول الذي يصفه الله تعالى بالخلق العظيم ورحمة للعالمين. أن يفعل بذلك الأعمى المؤمن هذه العمل (اللا إنساني). قال الملك: غير معقول أن يصدر هذا العمل من رسول الإنسانية ونبي الرحمة، فإذن أيها العلوي، فيمن نزلت هذه السورة؟

قال العلوي: الأحاديث الصحيحة الواردة عن أهل بيت النبي الذين نزل القرآن في بيوتهم تقول: إنها نزلت في عثمان بن عفان، وذلك لما دخل عليه ابن أم مكتوم فأعرض عنه عثمان وأدار ظهره إليه. وهنا انبرى السيد جمال الدين (وهو من علماء الشيعة وكان حاضرا في المجلس) وقال: قد وقعت لي

٤٣٨
قصة مع هذه السورة وذلك: أن أحد علماء النصارى قال لي: إن نبينا عيسى أفضل من نبيكم محمد صلى الله عليه وآله. قلت: لماذا؟. قال: لأن نبيكم كان سئ الأخلاق، يعبس للعميان ويدير إليهم ظهره، بينما نبينا عيسى كان حسن الأخلاق يبرئ الأكمه والأبرص.

قلت: أيها المسيحي، إعلم أننا نحن الشيعة نقول إن السورة نزلت في عثمان بن عفان، لا في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم كان حسن الأخلاق جميل الصفات حميد الخصال، وقد قال فيه تعالى: وإنك لعلى خلق عظيم، وقال: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين.

قال المسيحي: لقد سمعت هذا الكلام الذي قلته لك من أحد خطباء المسجد في بغداد.

قال العلوي: المشهور عندنا أن بعض رواة السوء نسبوا هذه القصة إلى رسول الله ليبرئوا ساحة عثمان بن عفان، فإنهم نسبوا الكذب إلى الله والرسول حتى ينزهوا خلفاءهم وحكامهم!

- وقال السيد جعفر مرتضى في الصحيح من السيرة ج ٣ ص ١٥٥:

ويذكر المؤرخون بعد قضية الغرانيق (قضية عبس وتولى) وملخص هذه القضية: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يتكلم مع بعض زعماء قريش، ذوي الجاه والمال، فجاءه عبد الله بن أم مكتوم - وكان أعمى - فجعل يستقرئ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) آية من القرآن، قال: يا رسول الله، علمني مما علمك الله. فأعرض عنه رسول الله وعبس في وجهه، وتولى، وكره كلامه، وأقبل على أولئك الذين كان قد طمع في إسلامهم، فأنزل الله

٤٣٩
تعالى: (عبس وتولى. أن جاءه الأعمى. وما يدريك لعله يزكى. أو يذكر فتنفعه الذكرى، أما من استغنى. فأنت له تصدى، وما عليك ألا يزكى.

وأما من جاءك يسعى. وهو يخشى. فأنت عنه تلهى؟. وفي رواية: أنه صلى الله عليه وآله وسلم كره مجئ، ابن أم مكتوم وقال في نفسه: يقول هذا القرشي: إنما اتباعه العميان والسفلة، والعبيد، فعبس صلى الله عليه وآله وسلم. إلخ... ونحن نرى أنها قضية مفتعلة، لا يمكن أن تصح وذلك:

أولا: لضعف أسانيدها، لأنها تنتهي إما إلى عائشة، وأنس، وابن عباس، من الصحابة، وهؤلاء لم يدرك أحد منهم هذه القضية أصلا، لأنه إما كان حينها طفلا، أو لم يكن ولد. أو إلى أبي مالك، والحكم، وابن زيد، والضحاك، ومجاهد، وقتادة، وهؤلاء جميعا من التابعين فالرواية مقطوعة، لا تقوم بها حجة.

وثانيا: تناقض نصوصها حتى ما ورد منها عن راو واحد، فعن عائشة في رواية: أنه كان عنده رجل من عظماء المشركين، وفي أخرى عنها: عتبة وشيبة، وفي ثالثة عنها: في مجلس فيه ناس من وجوه قريش، منهم أبو جهل، وعتبة بن ربيعة. وفي رواية عن ابن عباس: إنه كان يناجي عتبة، وعمه العباس، وأبا جهل. وفي التفسير المنسوب إلى ابن عباس: إنهم العباس، وأمية بن خلف، وصفوان بن أمية. وعن قتادة: أمية بن خلف. وفي أخرى عنه:

أبي بن خلف. وعن مجاهد: صنديد من صناديد قريش، وفي أخرى عنه:

عتبة بن ربيعة، وأمية بن خلف. هذا، عدا عن تناقض الروايات مع بعضها البعض في ذلك، وفي نقل ما جرى، وفي نص كلام الرسول صلى الله عليه

٤٤٠