×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الإنحرافات الكبرى / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٥ فارغة
كتاب الانحرافات الكبرى لـ سعيد أيوب (ص ١ - ص ٣١)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

الاهداء

إلى مصابيح الهدى الذين يقودون الناس إلى الهدى.

الذين علموا أن الغنى والفقر بعد العرض على الله يوم القيامة.

والذين صبروا صبر الأحرار.

والذين ينتظرون يوم العدل على الظالم.

إلى هؤلاء أهدي هذا الكتاب طمعا في جرعة ماء من حوض النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم يوم القيامة. «فما هو كائن من الدنيا عن قليل لم يكن. وما هو كائن من الآخرة عما قليل لم يزل. وكل معدود منقص. وكل متوقع آت.

وكل آت قريب دان»(*).

... أيوب

(*) من أقوال الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام.
٦
٧

المقدمة

الحمد لله رب العالمين. وصلوات الله وسلامه على محمد النبي الأكرم المبعوث بالشريعة الخاتمة وعلى آله وأصحابه ومن تبع هداهم إلى يوم الدين.

وبعد:

لقد حث كتاب الله تعالى على التدبر في الكون والنظر في تاريخ الأمم السابقة وفحص حركة هذه الأمم والعوامل التي أدت إلى نهاية أجلها. قال تعالى: (ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) (١) فالأجل في هذه الآية الكريمة. أضيف إلى الأمة إلى الوجود المجموعي للناس. فكما أن هناك أجل محدد ومحتوم لكل فرد. فكذلك هناك أجل آخر وميقات آخر للوجود الاجتماعي لهؤلاء الأفراد. للأمة بوصفها مجتمعا ينشئ ما بين أفراده العلاقات والصلات القائمة على أساس مجموعة من الأفكار والمبادئ. فهذا المجتمع الذي يعبر عنه القرآن الكريم بالأمة. له أجل. له موت. له حياة. له حركة. وكما أن الفرد يتحرك فيكون حيا ثم يموت. كذلك الأمة تكون حية ثم تموت. وكما أن موت الفرد يخضع لأجل ولقانون ولناموس.

كذلك الأمم أيضا لها آجالها المضبوطة (٢) من أجل هذا نبه كتاب الله الحاضر لكي

(١) سورة الأعراف، الآية: ٣٤.

(٢) المدرسة القرآنية / باقر الصدر: ص ٥٦.

٨
ينظر إلى أطلال الجهد البشري في الماضي. ليتجه نحو المستقبل وهو على علم بالإنحراف وما يترتب عليه. ويعلم أن نصر الله لقريب ولكن نصر الله له طريق.

وما عليه إلا أن يهتد إلى هذا الطريق. وبقدر ما يكون المثل الأعلى للجماعة البشرية صالحا وعاليا وممتدا تكون الغايات صالحة وممتدة. وعلى امتداد الصلاح يكون نصر الله، وبقدر ما يكون هذا المثل الأعلى محدودا أو منخفضا تكون الغايات المنبثقة عنه محدودة ومنخفضة أيضا ولا يترتب على هذا إلا فتن وعذاب وهلاك.

وعلى امتداد هذا الكتاب قمنا بتسليط الضوء على الفقه الشيطاني الذي أنجب جميع المثل العليا المنخفضة التي واجهت أنبياء الله ورسله على امتداد التاريخ الإنساني. وكيف واجه الأنبياء هذا الصد عن سبيل الله وهذا الانحراف.

ومادة هذا البحث طرحت بين يدي القرآن الكريم. وأجوبتها جاءت من القرآن الكريم. فالقرآن هو الطريق الوحيد للحصول على الخطوط الأساسية التي عليها جرت حركة هذه الأمم. ولقد اعتمدنا على العديد من التفاسير لكشف أعماق هذه الخطوط الأساسية وتقديمها للقارئ ليقف بيسر على صفحة الماضي وينطلق بيسر إلى المستقبل إذا شاء ذلك. وفي البداية نقول أنه مما تبين لنا خلال هذا البحث أن حركة الشيطان لم تكن فقط في دورات المياه كما قيل لنا. وإنما كانت حركة مضبوطة منذ طرده الله ولعنه. وهذه الحركة عمودها الفقري ينطلق من رفضه السجود لآدم. فقوله: (أنا خير منه) أرسى قاعدة التحقير التي رفعها المستكبرين ضد البشرية على امتداد التاريخ الإنساني. وحركة الاستكبار على امتداد التاريخ طويت صفحتها ليس من أجل إصابتها بالشيخوخة كما يقول البعض في أسباب سقوط الدول. وإنما طويت صفحتها في دائرة العذاب. عندما رفض أصحابها السجود لله كما أراد الله. وخلال هذا البحث قمنا بطرح ما قصه القرآن عن الأمم السابقة وحتى الرسالة الخاتمة. وعند الحديث عن الرسالة الخاتمة ألقينا بعض من الضوء على أحداث ما سمي " بالفتنة الكبرى ". تلك الأحداث التي يتجنب العديد من الباحثين الخوض فيها. في حين أنهم أمروا بالنظر في الماضي حتى لا ينطلقوا إلى المستقبل وعلى عقولهم بصمات هذه الفتن وهم لا يعرفون أهي بصمات حق. أم بصمات انحراف. وعلى هذا يقعوا في الفتنة الأشد من التي اجتنبوها سأل رجل حذيفة: أي الفتن أشد؟ قال: أن يعرض

٩
عليك الخير والشر. لا تدري أيهما تركب (٣) ومن الخطأ الشائع أن تاريخ الإسلام هو نفسه تاريخ المسلمين. ولهذا ظن العديد من الباحثين أن نقد تاريخ المسلمون هو نقد لتاريخ الإسلام. ونحن نقول: أن تاريخ الإسلام في الرسالة الخاتمة هو حركة الرسول ودعوته. وهذا التاريخ امتداد طبيعي لتاريخ الدعوة منذ عهد نوح وآل إبراهيم وآل عمران عليهم السلام. تاريخ الإسلام هو نفسه تاريخ الفطرة النقية التي لم تحيد عن الصراط المستقيم. وعلى امتداد هذا التاريخ لا تجد إلا نصر الله قال تعالى: (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد) (٤) وتاريخ الإسلام فيه الابتلاء والصبر والنصر. قال تعالى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله. ألا إن نصر الله قريب) (٥) فتاريخ الإسلام تقام فيه الحجج على الذين كفروا. وتكافح فيه الفطرة النقية معسكر الانحراف. أما تاريخ المسلمين فهو يتعلق بحركة المسلمين فما كان منه منطبقا مع آيات الكتاب وحركة الرسول فهو من تاريخ الإسلام. أما ما خرج منه من دوائر الحقد والحسد والاستكبار فلا علاقة للإسلام به. ويبحث عن أصوله في فقه الإغواء والتزيين. تماما كبني إسرائيل. فهم عندما ساروا مع موسى عليه السلام في اتجاه البحر وعبروا معه. كانوا يدونون بذلك تاريخ الإسلام، وعندما عبدوا العجل وأرجلهم لم تجف بعد من ماء البحر، كانوا يدونوا تاريخ بني إسرائيل ولا علاقة للإسلام بهذا التاريخ. لذا نجد هارون عليه السلام يقول لموسى عليه السلام عندما سأله عن هذا الانحراف وعاتبه: (إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل) (٦) لقد وضعهم في دائرة حركتهم التي تحمل العنوان الذي اشتهروا به بين الأمم " بني إسرائيل ". ولم يضعهم في دائرة الإسلام. وكان موسى عليه السلام قد قال لهم وهم تحت المظلة الفرعونية (يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين) (٧) إن حركة الفطرة ضد

(٣) أسد الغابة: ١ / ٤٦٨.

(٤) سورة غافر، الآية: ٥١.

(٥) سورة البقرة، الآية: ٢١٤.

(٦) سورة طه، الآية: ٩٤.

(٧) سورة يونس، الآية: ٨٤.

١٠
الانحراف تحت قيادة الرسل. هي بعينها تاريخ الإسلام الذي رفع عنوانا من اليوم الأول يقول فيه. أن دين الله لا إجبار فيه. أما حركة المال والسلاح والتخويف والتجويع والأهواء والطواغيت إلى غير ذلك. فهذا مدون في تاريخ الناس وهذا التاريخ يقبل الأخذ والرد ويخضع للنقد والبحث العلمي الجاد.

وعلى ضوء هذا التعريف بحركة التاريخ ناقشنا العديد من الأحداث.

انطلقنا من القرآن لنصل إلى أعماق الحدث عن طريق القرآن أيضا. ثم نقبنا في الحدث لنرى أين أهداف الدعوة فيه. وأخيرا إذا كان هناك كلمة أخيرة فإنني أتوجه بها إلى الذين يختلفون معي في مفهومي لحركة التاريخ الذي يضع الفطرة في مربع والأفعال التي تأنف منها الفطرة رغم زينتها وزخرفها في مربع آخر. أقول لهؤلاء إن هذا الكتاب لن يفيدكم في شئ. وإنني أشفق عليكم أن تضيعوا أوقاتكم هنا. وبالله نستعين (قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين) (٨).

صدق الله العظيم


سعيد أيوب       
القاهرة في ١ / ٧ / ١٩٩١

(٨) سورة النور، الآية: ٥٤.
١١

البذور والجذور

١٢
١٣

نظرات حول الفطرة وفي فقه الشيطان

مقدمة:

سبحان الله الواحد الأحد. الذي لم يسبقه وقت. ولم يتقدمه زمان. ولم يتعاوره زيادة ولا نقصان. ولم يوصف باين ولا بما ولا بمكان. الذي بطن من خفيات الأمور. وظهر في العقول بما يرى في خلقه من علامات التدبير. الذي سئلت الأنبياء عنه فلم تصفه بحد ولا نقصان. بل وصفته بأفعاله ودلت عليه بآياته. فسبحان من لا يحد ولا يوصف ولا يشبهه شئ. يصور ما يشاء وليس بمصور. جل ثناؤه وتقدست أسمائه وتعالى أن يكون له شبيه. من شبهه بخلقه فهو مشرك. ومن وصفه بالمكان فهو كافر ومن نسب إليه ما نهى عنه فهو كاذب (١).

قبل أن يخلق سبحانه آدم عليه السلام قال لملائكته: (إني جاعل في الأرض خليفة) (٢) فهو سبحانه خلق آدم ليكون في الأرض لا في السماء.

وعندما قالت الملائكة: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء...) (٣) لم

(١) من أقوال الإمام علي - توضيح المراد: ٤٩٨ - ٥٠٠.

(٢) سورة البقرة، الآية: ٣٠.

(٣) سورة البقرة، الآية: ٣٠.

١٤
ينف سبحانه عن خليفة الأرض الفساد وسفك الدماء. وقال سبحانه: (إني أعلم ما لا تعلمون) (٤). فالإنسان قبل أن يخلق قدر الله أن تكون حركته على الأرض. ولأن هذه الحركة لحكمة ومن وراء هذه الحكمة هدف. أقام الله الحجة على هذه الحركة. فإذا اقترف الإنسان المعاصي وسفك الدماء: كانت الحجة شاهد عليه. ولا يوصف بالعدل من نسب إلى الله ذنوب عباده.

١ - حجة الفطرة:

وإذا كانت حركة الإنسان قدر لها أن تكون على الأرض. فإن هذه الحركة لا ينبغي لها أن تخرج عن دائرة العبادة لله إذا أراد صاحبها النجاة. أما إذا أراد أن يدلي بدلوه في مربعات الفساد وسفك الدماء. فإنه بحركته هذه يدور في عكس اتجاه النجاة وعندئذ لا يلومن إلا نفسه. قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون) (٥) قال المفسرون.

المراد بخلقهم للعبادة، خلقهم على وجه صالح لأن يعبدوا الله بجعلهم ذوي اختيار وعقل واستطاعة، والمعنى: أي ما خلقتهم إلا لأجل العبادة. ولم أرد من جميعهم إلا إياها. والغرض من خلقهم تعريضهم للثواب. وذلك لا يحصل إلا بأداء العبادات. ولما كان الإنسان قد خلق من أجل العبادة وعلى طريق هذه العبادة توجد دوائر للإفساد وسفك الدماء هدفها عرقلة هذه العبادة. فإنه تعالى وضع أصول هذه العبادة في حصن الفطرة الحصين. ليعبر الإنسان بفطرته السليمة تلك العقبات ويصل بعبادته إلى حيث ينال الثواب. فالفطرة شعاع يهدي صاحبه إلى طريق النجاة. والفطرة حجة بذاتها على الإنسان تنطق عليه بالحق يوم يقف أمام الله تعالى يوم القيامة ويقول له: (كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا).

ومخزون الفطرة الحجة بذاته جاء ذكره في أكثر من موضع من كتاب الله. منه قوله تعالى: (وإذ أخذ ربك من بني أدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين. أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون " (٦) قال صاحب الميزان. أي أذكر للناس. موطنا قبل الدنيا أخذ فيه

(٤) سورة البقرة، الآية: ٣٠.

(٥) سورة الذاريات، الآيتان: ٥٦ - ٥٧.

(٦) سورة الأعراف، الآيتان: ١٧٢ - ١٧٣.

١٥
ربك (من بني آدم من ظهورهم ذريتهم) فما من أحد منهم إلا استقل من غيره وتميز منه. فاجتمعوا هناك جميعا. وهم فرادى. فأراهم ذواتهم المتعلقة بربهم (وأشهدهم على أنفسهم) فلم يحتجبوا عنه. وعاينوا أنه ربهم كما أن كل شئ بفطرته يجد ربه من نفسه من غير أن يحتجب عنه. (ألست بربكم) وهو خطاب حقيقي لهم. لا بيان حال. وتكليم إلهي لهم فإنهم يفهمون مما يشاهدون. أن الله سبحانه يريد به منهم الاعتراف وإعطاء الموثق. وقوله: (أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين) الخطاب للمخاطبين بقوله: (ألست بربكم) القائلين (بلى شهدنا) فهم هناك يعاينون الإشهاد والتكليم من الله. والتكلم بالاعتراف من أنفسهم. وإن كانوا في نشأة الدنيا على غفلة مما عدا المعرفة بالاستدلال. ثم إذا كان يوم البعث وانطوى بساط الدنيا. وانمحت هذه الشواغل والحجب عادوا إلى مشاهدتهم ومعاينتهم. وذكروا ما جرى بينهم وبين ربهم (٧).

والمراد أنا أخذنا ذريتهم من ظهورهم. وأشهدناهم على أنفسهم.

فاعترفوا بربوبيتنا. فتمت لنا الحجة عليهم يوم القيامة. ولو لم نفعل هذا. ولم نشهد كل فرد منهم على نفسه بعد أخذه. فإن كنا أهملنا الإشهاد من رأس. فلم يشهد أحد أن الله ربه. ولم يعلم ربه. لأقاموا جميعا الحجة علينا يوم القيامة بأنهم كانوا غافلين في الدنيا عن ربوبيتنا. ولا تكليف على غافل ولا مؤاخذة.

وإن كنا لم نهمل أمر الإشهاد من رأس. وأشهدنا بعضهم على أنفسهم دون بعض بأن أشهدنا الآباء على هذا الأمر الهام العظيم دون ذرياتهم. ثم أشرك الجميع.

كان شرك الآباء شركا على علم بأن الله هو الرب لا رب غيره. فكانت معصية منهم. وأما الذرية فإنما كان شركهم بمجرد التقليد فيما لا سبيل لهم إلى العلم به لا إجمالا ولا تفصيلا. ومتابعة عملية محضة لآبائهم. فكان آباؤهم هم المشركون بالله العاصون في شركهم لعلمهم بحقيقة الأمر. وقد قادوا ذريتهم الضعاف في سبيل شركهم بتربيتهم عليه وتلقينهم ذلك. ولا سبيل لهم إلى العلم بحقيقة الأمر وإدراك ضلال آبائهم وإضلالهم إياهم. فكانت الحجة لهؤلاء الذرية على الله يوم القيامة. لأن الذين أشركوا وعصوا بذلك وأبطلوا الحق هم الآباء.

فهم المستحقين للمؤاخذة. والفعل فعلهم. وأما الذرية فلم يعرفوا حقا حتى

(٧) تفسير الميزان، السيد الطباطبائي ط. مؤسسة الأعلمي بيروت: ص ٣٢٢ / ٨.
١٦
يأمروا به فيعصوا بمخالفته. فهم لم يعصوا شيئا ولم يبطلوا حقا. وحينئذ لم تتم حجة على الذرية. فلم تتم الحجة على جميع بني آدم. وهذا معنى قوله تعالى:

(أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون) (٨).

ولكي لا يكون للسلف وللخلف حجة على الله يوم القيامة. أخذ سبحانه الميثاق من بني آدم جميعا. وهذا الميثاق هو مخزون الفطرة. وحجة بذاته على الإنسان في كل حركة له على الأرض. وميثاق الفطرة هو العمود الفقري للعبادة التي خلق الله الإنسان لها. وهو الكشاف الذي يهدي إلى الطريق المستقيم ويجنب صاحبه الإنزلاق في منجيات الإفساد وسفك الدماء التي لم ينف الله سبحانه وجودها عندما قالت الملائكة: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) وإذا كانت الفطرة كشاف يهدي إلى الصراط المستقيم فإن حدود هذا الصراط وضوابطه يحددها أنبياء الله عليهم السلام. وأنبياء الله على امتداد التاريخ الإنساني بعثوا بدين الفطرة. أي بالعبادة الحق التي تنسجم مع ميثاق الفطرة وتتكاتف معه على صراط مستقيم. فالأنبياء جاؤوا إلى نوع إنساني واحد ذات مقصد واحد. وهذا النوع له رب واحد. وهو الذي فطر السماوات والأرض.

والربربية والألوهية ليست من المناصب التشريفية الوضعية. حتى يختار الإنسان منها لنفسه ما يشاء وكم يشاء وكيف يشاء بل هي مبدئية تكوينية لتدبير أمره.

والإنسان حقيقة نوعية واحدة. والنظام الجاري في تدبير أمره نظام واحد متصل مرتبط بعض أجزائه ببعض. ونظام التدبير الواحد لا يقوم به إلا مدبر واحد. لهذا فلا معنى لأن يختلف الإنسان في أمر الربوبية فيتخذ بعضهم ربا غير ما يتخذه الآخر. أو يسلك قوم في عبادته غير ما يسلكه الآخرون. فالإنسان نوع واحد يجب أن يتخذ ربا واحدا. هو رب بحقيقة الربوبية. وهو الله عز اسمه (٩) بهذا جاء رسل الله وعلى هذا قامت دعوتهم عليهم السلام.

٢ - بذور الإنحرافات الكبرى:

لم تظهر بذور الإفساد وسفك الدماء الذي ذكرته الملائكة عندما خاطبهم

(٨) المصدر السابق: ٣٠٩ / ٨.

(٩) الميزان: ٣٢٢ / ١٤.

١٧
الله بأنه جاعل في الأرض خليفة إلا عندما أمر سبحانه الملائكة بالسجود لآدم.

ففي هذا الوقت خط إبليس خط الانحراف الذي تنمو عليه بذور الافساد التي وضعها. يقول تعالى: (إذ قال ربك للملائكة أني خالق بشرا من طين. فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين. فسجد الملائكة كلهم أجمعون. إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين. قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي استكبرت أم كنت من العالين. قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين) (١٠).

لقد ذكرت الآية أن مبدأ خلق الإنسان الطين. وفي سورة الروم التراب.

وفي سورة الحجر صلصال من حمإ مسنون. وفي سورة الرحمن صلصال كالفخار. ولا ضير فإنها أحوال مختلفة لمادته الأصلية التي منها خلق وقد أشير في كل موضع إلى واحدة منها. وأمر الله تعالى الملائكة. إذا سوى الإنسان بتركيب أعضائه بعضها على بعض وتتميمها صورة إنسان تام. ونفخ الروح فيه أن يقعوا له ساجدين. وسجد الملائكة لأمر الله. ولم يذكر أحد منهم. أي علاقة بين طين ونور. فعندما أمروا بالسجود سجدوا. ولم يشذ في هذا المشهد المهيب سوى إبليس (قال أنا خير منه) لقد علل عدم سجوده بما يدعيه من شرافة ذاته وأنه لكونه خلقه من نار خير من آدم المخلوق من طين. ويظهر للمتدبر الفطن أن رفض إبليس للسجود. هو في نفس الوقت رفض للخضوع للإنسان والعمل في سبيل سعادته. وإعانته على كماله المطلوب. على خلاف ما ظهر من الملائكة. فهو بإيبائه عن السجدة خرج من جموع الملائكة كما يفيده قوله تعالى: (ما لك ألا تكون مع الساجدين) وأظهر الخصومة لنوع الإنسان والبراءة منهم ما حيوا وعاشوا

* - بذور الإستعلاء والتحقير:

وإبليس بعد أن لعنه الله وجعله من المطرودين من رحمته. وظف هذا الحقد وهذه الخصومة فيما بعد وذلك أنه وسوس لصنف من الناس وألقى في نفوسهم مقولة أنهم أرقى من البشر وتجري من عروقهم دماء الآلهة. ووفقا لهذا

(١٠) سورة ص، الآيات: ٧ - ٧٦.
١٨
الاعتقاد ادعى هذا الصنف من البشر الألوهية وفي عهودهم اندرج الإنسان إلى مستوى أقل من مستوى البهيمة. فإبليس بهذه المقولة ذل الإنسان على أيدي الإنسان. من منطلق حقده وخصومته لآدم وأبنائه. ولم يقذف الشيطان بفقه (أنا خير منه) على الجبابرة الذين ادعوا الألوهية على امتداد التاريخ فقط. وإنما قذف بفقه (أنا خير منه) على الخاص والعام في الساحة الإنسانية لوقف تقدم دين الفطرة. فما من رسول أو نبي بعثه الله منذ ذرأ الله ذرية آدم إلا رفعت في وجهه لافتة تحقير الإنسان التي انبثقت من فقه (أنا خير منه) الذي يحمل بين طياته الخصومة لبني الإنسان. لقد واجه الخاص والعام رسل الله عليهم السلام بقول واحد على امتداد الرسالات فقالوا: (ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شئ) (١١)، وقالوا: (إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدون عما كان يعبد آباؤنا) (١٢) وقالوا: (ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم) (١٣) لقد قام إبليس بتوظيف خصومته للإنسان. بأن بث ثقافة من شأنها أن تمنع السجود لله. وإذا كان هو أصل هذه الثقافة يوم أن رفض السجود. فإن هذه الثقافة حملها في الدنيا الإنسان ضد الإنسان بعد أن دق الشيطان وتدها في الكيان الإنساني.

وهذا الوتد كان له أثرا بالغا في الصد عن سبيل الله. يقول تعالى: (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا (١٤) وتحت مظلة تحقير الإنسان واجه رسول الله أشد الخصومات من الإنسان الذي استحوذ عليه الشيطان. لقد وقف تلاميذ الشيطان أمام الهدى الذي يطالبهم بالسجود لله.

وأثاروا قضية الشيطان القديمة ولكن في ثوب يستقيم مع عصورهم. فرفضوا النبي لأنه بشر خلقه الله من طين. فإذا كان لا بد من نبي فينبغي أن يكون ملكا رسولا.

ملكا من نار أو من نور. فهذا وحده الذي ينبغي أن يسمع لقوله. وتحت مظلة التحقير هذه ارتكبت أفظع الجرائم. وارتدت الأنانية أكثر من ثوب. وارتفع الأغيلمة السفهاء فوق الحلماء الأتقياء، وتحت مظلة السفهاء تم تصنيف البشر إلى خدم وأراذل وأشراف، وعلى امتداد التاريخ الإنساني، ضرب الكون سفهاء

(١١) سورة يس، الآية: ٢٤.

(١٢) سورة إبراهيم، الآية: ١٠.

(١٣) سورة المؤمنون، الآية: ٢٤.

(١٤) سورة الإسراء، الآية ١٤٠.

١٩
قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة وقوم فرعون وغيرهم. وهلك جميع هؤلاء ولكن فقه التحقير لم يهلك معهم لأنه باقي ما بقي الشيطان.

فالشيطان يطرحه على قوم وعند ذهاب السلف يلقيه الشيطان على الخلف وهكذا حتى تتسع الحلقات ليكون التحقير مألوفا على امتداد القافلة البشرية. تلك هي خطة الشيطان في فقه التحقير الذي يرفض الهدى ليفتح أبواب النار (أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا) (١٥).

* بذور المتاجرة بالدين:

بعد أن لعن الله أول فاتح فتح باب معصية الله. وعصاه في أمره. طلب إبليس الإنظار إلى يوم يبعثون. فلما أجيب إلى ما سأل. أظهر ما هو كامن في ذاته. وما أبداه كان في حقيقة الأمر خطته الكاملة تجاه آدم وذريته. والخطة الشيطانية لم تترك منفذا إلا وراقبته. وإذا كان إبليس قد استثمر قوله: (أنا خير منه) في وضع فقه التحقير الذي أنتج نوعا من البشر يعمل ضد البشر. فإنه في مكان آخر عمل من أجل عرقلة طريق العبادة التي من أجلها خلق الله الجن والإنس. قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) (١٦). قال المفسرون: إن الغرض العبادة. بمعنى كونهم عابدين لله. لا كونه معبودا. فقد قال. (ليعبدون) ولم يقل: لأعبد أو لأكون معبودا لهم... فالله هو المعبود الحق. وهو سبحانه قد بين للجن والإنس كيف يعبدوه. فالعبادة هي أن تعبد الله كما يريد الله. وإبليس أدلى بدلوه في اتجاهين.. الاتجاه الأول أنه وسوس للإنسان بعيدا عن المعنى المقصود (ليعبدون) ونصب خيمته في مربع، لأكون معبودا لهم. ووفقا لتصورات هذا المربع تم عبادة الأصنام والطاغوت على امتداد المسيرة البشرية. والإتجاه الثاني. وسوس للإنسان ليعرقل المسيرة نحو المعنى المقصود لقوله تعالى: (ليعبدون) فالله تعالى بين لعباده كيفية عبادته على لسان رسله عليهم السلام. ولما كانت دعوة الرسل على صراط مستقيم.

فإن إبليس نصب له خيمة على هذا الصراط مهمتها الصد عن سبيل الله وعرقلة

(١٥) سورة الكهف، الآية: ٥٠.

(١٦) سورة الذاريات، الآية: ٥٦.

٢٠