×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

أوائل المقالات في المذاهب والمختارات / الصفحات: ٣٦١ - ٣٨٠

إمكان الفصل بين الإرادة والمراد بسبب ما رأوا من أن الانسان يقصد عملا ثم يصدر منه ذاك العمل بعد مضي زمان، ومنشأ غلطهم خلطهم بين مقدمات الإرادة من الميل والعزم ونحوهما وبين نفس الإرادة، فعنوان هذا القول للإشارة إلى أن الإرادة هي الجزء الأخير من الإقدام النفسي الصادر من الفاعل متصلا بالفعل، وإن ما قبله ليست إرادة.

وأما قوله (إلا أن يمنع الخ) الصحيح هكذا (إلا أن يمنع من فعل المريد غير المريد) أو (إلا أن يمنع من ذلك من فعل غير المريد) يعني يمنع من إيجاب الإرادة لمرادها من جهة فعل غير المريد.

(١٣١) قوله في القول ١٠٤ (لقولي في المحدث)

في العبارة إبهامات:

الأول إن قوله (الفعل الذي تسميه الفلاسفة النفس) الظاهر كون كلمة الفعل تصحيف (الشئ) أو (المكلف) لما مر في القول ٥٤ فراجع ولم يقل أحد من المتكلمين والفلاسفة بأن الانسان أو النفس فعل بل الأمر كما ذكرنا.

ولكن حيث أن الكلام في قسمي الفعل وهما المتولد وغيره، فيناسب أو يلزم إثبات كلمة (الفعل) هنا، وعليه فجملة (وهذا مذهب اختصرته أنا لقولي في المحدث) تكون جملة كاملة واضحة المعنى لأن تسمية الفعل بالمحدث لا غبار عليه، كما إن كونه مقسما للمتولد وغيره واضح.

غاية الأمر يبقى الكلام في قوله (الفعل الذي تسميه الفلاسفة النفس) كما مر وحينئذ فراجع إلى ما ذكره الفلاسفة من المناسبات بين النفس والفعل قال صدر المتألهين في الأسفار ج ٨ ص ٦ (أما البرهان على وجودها - النفس -

٣٦١
فنقول: نا نشاهد أجساما يصدر عنها الآثار لا على وتيرة واحدة من غير إرادة، مثل الحس والحركة والتغذية والنمو وتوليد المثل وليس مبدء هذه الأفعال المادة ... ولا الصورة الجسمية... فإذن في تلك الأجسام مباد غير جسميتها... وقد عرفت في مباحث القوة والفعل أنا نسمي كل قوة فاعلية يصدر عنها الآثار لا على وتيرة واحدة نفسا وهذه اللفظة اسم لهذه القوة لا بحسب ذاتها البسيطة بل من حيث كونها مبدء لمثل هذه الأفاعيل المذكورة... فلأن للنفس قوة الادراك وهي انفعالية، وقوة التحريك وهي فعلية...) انتهى كلامه.

أقول: إذا كان منشأ صدور جميع الأفعال والانفعالات هو النفس، بل إنما سمى النفس نفسا من هذه الجهة، ولا معنى للنفس إلا هذا فحينئذ أصل مناسبة ذكر النفس في تفسير الفعل صارت واضحة، غاية الأمر هي مبدء الأفعال لا إنها فعل، فالصحيح أن تكون العبارة هكذا (اختصرته أنا لقولي في المحدث للفعل الذي تسميه الفلاسفة النفس) بقرائة (المحدث) بكسر الدال وإضافة اللام على الفعل، يعني أن قولي في محدث الأفعال ومبدؤها يوافق ما عند الفلاسفة ويسمونه نفسا.

أو يقال إنه أراد بالفعل قابليته ومبدء صدوره كما يستعمل كثيرا.

الثاني من الإبهامات تطبيق ما ذكره من التفسير على عقيدة الفلاسفة وقد تبين وجهه مما ذكرنا.

الثالث قوله (والأصل فيه الخ) أقول: هناك ثلث مسائل:

الأولى أصل كون الإرادة موجبة لمرادها وهذه اتضحت في القول ١٠٢.

الثانية إنها موجبة لمرادها سواء كان متصلا بها ويسمى غير المتولد أو غير متصل ويسمى بالمتولد، فكلاهما يستندان إلى الإرادة وكلاهما تصيران

٣٦٢
موجبين بالإرادة وهذه تبينت في القول ١٠٣.

الثالثة إن النسبة بين الموجب المتولد والموجب غير المتولد هي العموم والخصوص مطلقا وهذه ذكرها في هذا القول ولا ريب في أن البحث عن النسبة بين قسمين من الموجب يتوقف على إثبات أصل الايجاب وعلى شموله للقسمين ولذا قال والأصل فيه الخ.

(١٣٣) قوله في القول ١٠٥ (يولد أمثاله وخلافه)

أما أمثاله مثل توليد المعلم العلم في المتعلم وأما خلافه فمثل سرور العدو فإنه يولد الحزن في عدوه وبالعكس.

إلى هنا نهاية اللطيف من الكلام ومن هنا بدء في الجليل من الكلام وهو المسائل الأصلية إلى رقم ١٤١.

(١٣٤) قوله في القول ١٠٦ (ولست أعرف بين من أثبت التولد الخ)

هناك مسألتان كلامية وأصولية، فالأولى هو ما بحث عنه في القول ١٠٣ وهو إثبات صدور بعض الأفعال عن الانسان بالواسطة ويسمى بالتولد في مقابل من أنكر استناد هذه الأفعال إلى المريد وأنكر ترتبه على فعله كما مر و بعبارة أخرى الاعتراف بالأفعال التسبيبية وإنكارها والثانية، تعرض لها في هذه المسألة وهي أن الأمر بالسبب هل يلازم الأمر بالمسبب أم لا؟ وكذلك الأمر بالسبب هل يقتضي الأمر بالسبب أو لا؟

وحيث أنهما مبنيان على مسألة التولد فكان يتوهم الملازمة من الطرفين ولكن المفيد قده فصل بينهما فجعل الأمر بالمسبب أمرا بالسبب مطلقا، وأما

٣٦٣
الأمر بالسبب فجعله مقتضيا للأمر بالمسبب لولا المانع لا مطلقا وهذا هي التي يبحث عنها في بحث مقدمة الواجب من علم الأصول. غاية الأمر حيثية البحث في الأصول كونها مما يستنبط منها الأحكام الفقهية، وحيثية البحث هنا ما يليق بشأن الحكيم وما لا يليق، في مقام التشريع والخطاب.

(١٣٥) قوله في القول ١٠٨ (والبصريون الخ)

في العبارة سقطات يشبه أن تكون هكذا: (والبصريون يقولون باتحاد معنى الشهوة، والدليل على تعدد معنى الشهوة إن أحد المعنيين موجود في كل حيوان بالضرورة والمعنى الآخر تعلق الأمر بإيجاده والنهي عنه فيلزمهم القول باتحاد الموجود والمطلوب وجوده أو الممنوع من وجوده وذلك محال، لأن الأمر لا يتعلق إلا بما كان اختياريا وكذلك النهي إذ هو نقيض الأمر).

(١٣٦) قوله في القول ١٠٩ (ولا أقول في حال الإيمان...)

أقول: البحث في أن القدرة تتعلق بأحد الطرفين أو هي متساوية النسبة إلى الطرفين، وبالنتيجة البحث في أن الإيمان والكفر مقدوران أو لا.

وشبهة الجبرية هنا نظير شبهة الملحدين في إنكار الخالق حيث قالوا:

الخالق إما أن يعطى الوجود للموجود أو للمعدوم، فإن أعطى الوجود للموجود لزم إيجاد الموجود واجتماع الوجودين لهوية واحدة وكذا إن أعدم المعدوم فإن إعدام المعدوم وإيجاد الموجود محالان، وإن أعطى الوجود للمعدوم، أو أعدم الموجود لزم اجتماع الوجود ولعدم في شئ واحد.

وهنا قالوا بنظير الشبهة وهو إن الذي اختار الإيمان هل كان قادرا على أن

٣٦٤
يختار الكفر في نفس الوقت أو لا، فعلى الأول يلزم تصحيح اجتماع الضدين و على الثاني يلزم علم قدرته على غير ما أختاره، وعليه فلا يكون قادرا على ما اختاره أيضا وهو الجبر.

والجواب إن المؤمن كان قادرا باختيار الكفر بدل الإيمان، ولم يكن مانع من جهة أخرى سوى اختياره للكفر، فهو باختياره أحد الطرفين أحال الطرف الآخر وأما مع قطع النظر عن اختياره فماهية الفعل لا بشرط بالنسبة إلى الوجود والعدم، كما إن متعلق جعل الباري (تعالى) أيضا الماهية من حيث هي لا بقيد الوجود ولا بقيد العدم.

وأقول هناك ثلث مسائل، إحديها ضروري الامكان، الثاني ضروري البطلان، الثالث محل خلاف.

فالذي لا خلاف في إمكانه أن نحكم على من هو مؤمن فعلا بأنه يمكن أن يصير كافرا في المستقبل بأن يكون الكفر في المستقبل بدلا عن الإيمان الفعلي، وبالعكس بأن يكون الإيمان في المستقبل بدلا عن الكفر فعلا. وهذا هو الذي أشار إليه بقوله أخيرا (فأما القول بأنه يجوز من الكافر الإيمان في مستقبل أوقات الكفر...) وحكمه بالإمكان بمعنى الإمكان الذاتي وإلا فبالنظر إلى أدلة الموافاة يعتقد الشيخ عدم وقوعه.

وأما الذي لا خلاف في بطلانه فهو ملاحظة حال المؤمن بوصف أنه مؤمن وأنه بهذا اللحاظ وبقيد اتصافه بالإيمان هل يمكن كون الكفر بدلا من إيمانه أم لا وبالعكس وهو أن الكافر بقيد كونه كافرا هل يمكن اتصافه بالإيمان، وهذا يكفي تصوره في إنكاره والحكم باستحالته، وذلك لأن ثبوت الإيمان للمؤمن بقيد كونه مؤمنا والكفر للكافر بقيد كونه كافرا ضروري بشرط

٣٦٥
المحمول، فإثبات ضدهما حكم باجتماع الضدين، وأشار إليه بقوله (ولا أقول في حال الإيمان الخ).

وأما الحكم بإمكان الكفر للمؤمن حال إيمانه، وبإمكان الإيمان للكافر حال كفره، ولكن لا بقيد الإيمان والكفر بل بنحو القضية الحينية والعنوان المشير، فيقال هذا المؤمن قد كان يجوز أن يكون كافرا في حال إيمانه ويصير الكفر بدلا من إيمانه وكذلك الكافر كان يجوز أن يكون الإيمان بدلا عن كفره. فهذا محل خلاف بين المجبرة وغيرهم، فالمجبرة يقولون بضرورة الإيمان لذات المؤمن والكفر لذات الكافر كما في الصورة الثانية والعدلية قالوا بإمكان بدلية كل من الإيمان والكفر عن الآخر، وليست هناك ضرورة ولا استحالة إلا بتبع حسن اختيار العبد أو سوء اختياره وإلى هذا أشار بقوله: وأقول إن الكفر قد كان يجوز الخ وفي وسط المسألة بقوله: وإذا قال قد كان يجوز الخ وفي آخر المسألة بقوله وإنما خلافهم في الأول.

(١٣٧) قوله (وذلك أن جواز الضد هو تصحيحه وصحة إمكانه وارتفاع استحالته الخ)

أقول: إشارة إلى القاعدة المسلمة من أن المحال كما لا يحكم بوقوعه لا يحكم بإمكانه أيضا، وأنه كما لا يعلم لا يحتمل أيضا فاجتماع النقيضين والضدين لا يحكم بجوازه ولا يصحح ولا يجوز.

(١٣٨) قوله في القول ١١٢ (من أصحاب الأصلح)

أقول: إشارة إلى أن الحكم بعدم جواز اخترام هذين الشخصين لا يبتني

٣٦٦
على العدل وعلى لزوم رعاية المصلحة إذ لا يلزم ظلم ولا خلاف مصلحة من اخترامه بعد ما كان مختارا واختار الكفر أو الفسق باختياره، نعم لم قلنا بوجوب اللطف على الله (تعالى) الذي هو مرتبة زائدة على العدالة وعلى رعاية المصلحة وقلنا بأنه كما يجب على الله (تعالى) ترجيح الصلاح على الفساد يجب عليه ترجيح الأصلح على الصلاح فحينئذ يستنتج ما ذكره قده، راجع القول ٢٧.

فإنه تعالى لو اخترم من ذكر لكان خلاف اللطف ولكان تاركا للأصلح.

(١٣٩) قوله في القول ١١٣ (لمن يستصلح به غيره)

أقول: خلاصة البحث أن إيلام شخص لشخص آخر على أربعة أقسام:

لأن صاحب الألم إما مؤمن أو كافر وصاحب المصلحة أيضا إما مؤمن أو كافر.

أما إيلام المؤمن لمصلحة مؤمن آخر فلا إشكال في جوازه كما لا إشكال في وجوب العوض عليه (تعالى)، كما لا إشكال في إيلام الكافر لمصلحة المؤمن مع عدم العوض، وأما إيلام المؤمن لمصلحة الكافر فظاهر الشيخ المفيد جوازه و وجوب العوض عليه (تعالى)، وأما إيلام الكافر لمصلحة الكافر فأصل ثبوته، الظاهر جوازه وأما ثبوت العوض عليه فمحل إشكال.

وأما بناؤه على نفي الاحباط فلأن كل عمل خيرا كان أو شرا إذا كان سببا لإحباط ما سبقه من ضده فحينئذ لا يمكن توجيه ألم شخص لشخص آخر مؤمنا كان أو كافرا إذ لا حساب ولا موازنة على هذا القول وإلى هذا القول أشار بقوله دون من وافقني في العدل والإرجاء، وأما بناء على نفي الاحباط كما عليه الشيعة وإن الأعمال الصادرة من المكلفين لها حساب ميزان ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره فيستقيم هذا القول وإلى هذا أشار

٣٦٧
بقوله (وهذا مذهب من نفي الاحباط من أهل العدل والإرجاء).

وخلاصة كلامه أن من قال بالعدل والإرجاء مع الاحباط لا يمكنه الالتزام بهذا، ومن قال بالعدل والإرجاء بدون الاحباط فيستقيم هذا على مبناه.

(١٤٠) قوله في القول ١١٦ (وبجميعه أيضا)

يعني قد يعاقبهم في الدنيا في مقابل بعض معاصيهم ويبقي جزاء الباقي إلى الآخرة، وقد يجازيهم جميع معاصيهم في الدنيا فلا يبقى شئ إلى الآخرة بل يدخلون الجنة فيها.

(١٤١) قوله في القول ١١٥ (وأما كونه ثوابا فلأن أعمالهم أوجبت في جود الله وكرمه الخ)

أقول، ظاهر العبارة الاستناد في كونه ثوابا على جوده (تعالى) وكرمه، مع أن ما يصل إلى العبد من طريق الجود والكرم يكون عين التفضل لا الثواب، مضافا إلى أن العطاء المستند إلى الجود والكرم لا يشترط بالأعمال.

وهناك احتمال آخر وهو أن الله (تعالى) حيث أنه تعهد ووعد الثواب في مقابل الأعمال وهو لا يخلف الميعاد لقبحه، فالجزاء يجب عليه في مقابل الأعمال ثوابا لوجوبه عليه (تعالى)، والقرينة على إرادة هذا الاحتمال قوله (أعمالهم أوجبت).

وأما ذكر الجود والكرم للاحتراز عن الوجوب من جهة عدله.

(١٤٢) قوله في قوله ١١٧ (وقد يعبر...)

٣٦٨
كتاب أوائل المقالات للشيخ المفيد (ص ٣٦٩ - ص ٣٨٨)
٣٦٩

(١٤٤) قوله في القول ١١٩ (وقد أطلق بعض أهل النظر)

قد وردت روايات وعبارات في أدعيتهم عليهم السلام تؤيد بعض ما ذكره هذا البعض، منها ما رواه الكليني في باب أن الإرادة من صفات الفعل، الحديث الثالث، بسند صحيح عن أبي الحسن (ع) (... الإرادة من الخلق الضمير و ما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل، وأما من الله (تعالى) فإرادته إحداثه لا غير ذلك لأنه لا يروى ولا يهم ولا يتفكر، وهذه الصفات منفية عنه وهي صفات الخلق، فإرادة الله الفعل لا غير ذلك بقوله له كن فيكون بلا لفظ ولا نطق بلسان ولا همة ولا تفكر ولا كيف لذلك كما إنه لا كيف له.

(١٤٥) قوله في القول ١٢١ (وهذا مذهب كافة أهل العدل من الشيعة والمعتزلة والمرجئة والخوارج والزيدية والمجبرة بأجمعهم على خلافه)

لا إشكال في أن الشيعة والمعتزلة تفسيران لكلمة أهل العدل، كما إنه لا إشكال في أن المجبرة مبتدأ خبر ما بعده، وأما المرجئة والخوارج والزيدية فإن جعلناها معطوفة على المعتزلة يكون الجميع تفسيرا لكلمة أهل العدل مع إنه لم يعهد عد المرجئة والخوارج من العدلية وإن كانت الزيدية منهم.

وإن كان الواو في قوله والمرجئة استينافا فالمحذور يرفع من هذه الجهة و لكن يبقى الكلام في نسبته المخالفة في المعنى المذكور إلى الخوارج والزيدية فإنهما يوافقان الشيعة في المعنى المذكور للشهادة. نعم المرجئة لا يبعد مخالفتهم معنا في هذا المعنى.

والأولى أن تكون المعتزلة عطفا على الشيعة فتكونان تفسيرين لكلمة

٣٧٠
أهل العدل، ثم تكون المرجئة والخوارج والزيدية عطفا على كلمة كافة، يعني أن هذا مذهب كافة أهل العدل ومذهب المرجئة والخوارج والزيدية، ثم يستأنف بقوله (والمجبرة بأجمعهم على خلافه).

(١٤٦) قوله في القول ١٢٣ (ولا يوالي من يصح أن يعاديه)

أقول: النسخ التي بأيدينا اتفقت على زيادة لا في (لا يوالي) والظاهر أنها زائدة لأن الفقرتين إنما يحكيهما الشيخ للرد:

إحديهما قوله (فأما القول بأن الله سبحانه قد يعادي من يصح موالاته له من بعد) يعني أن من كان ظاهره فعلا الكفر ولكن الله (تعالى) يعلم أنه يصير في المستقبل مؤمنا محبا لله (تعالى) فالقول بأن الله يعاديه الآن لفسقه أو لكفره الظاهر فعلا يظهر بطلانه مما ذكرنا في باب الموافاة وقلنا بأن من كان آخر أمره الإيمان فإن الله (تعالى) يحبه طول حياته.

والفقرة الثانية قوله (فأما القول بأن الله... لا يوالي من يصح أن يعاديه فقد سلف قولنا فيه في باب الموافاة) أقول: كلمة (لا يوالي) مترادف أو متلازم لقوله يعادي فكأنه قال (وأما القول بأن الله يعادي من يصح أن يعاديه فقد سلف قولنا فيه في باب الموافاة) ومعلوم أن سياق نقله لهاتين الفقرتين أنه في مقام الرد عليهما بما ذكره في باب الموافاة، مع أن الفقرة الثانية على فرض وجود كلمة (لا) في أولها يكون عين ما ذكره في باب الموافاة، لأن معناه على هذا: إن الله (تعالى) يعادي العبد الذي كان ظاهره الإيمان والتقوى إذا علم أنه في المستقبل يصير من أعدائه، وهذا عين عقيدته في باب الموافاة.

وأما إذا أسقطت كلمة لا فالمعنى أنه (تعالى) يوالي الآن من ظاهره فعلا

٣٧١
الإيمان وإن كان في المستقبل من أعدائه وهذا خلاف عقيدته هناك. هذا ما يرجع إلى العبارة.

وأما شرح المعنى فأقول: إن المفيد قده قد ربط ما اختاره في هذا المسألة بالارجاء والعدل والموافاة وقد علم كيفية ربطها بالموافاة.

وأما ربطها بالعدل فلأنا لو قلنا بأن من ظهر منه الإيمان والعمل الصالح في مدة من الزمان، وكان إيمانه واقعيا حينذاك، وإن كفره حدث بعد ذلك فكيف يصح الاغماض عن إيمانه وعمله الصالح في تلك البرهة من الزمان، و المعاملة معه معاملة من كان كافرا طول عمره، إلا على ما اختاره في باب الموافاة من أنه لم يؤمن طرفة عين فحينئذ يكون منطبقا على العدل.

وأما ربطه بالارجاء فلأن الارجاء عبارة عن جعل الملاك الأصلي هو العقيدة دون العمل كما عليه الخوارج والمعتزلة، فحينئذ يستقيم الحكم بمن ختم له بالكفر، أن يكون الله (تعالى) عدوا له طول عمره مع ما هو عليه من ظاهر الإيمان والأعمال الصالحة، وذلك لكونه في الباطن غير مؤمن بل كافرا، والمهم هو العقيدة.

ويستقيم أيضا الحكم بأن الله يوالي من يختم له بخير وإن كان كثيرا من عمره على ظاهر الكفر والفسق لكونه في الباطن مؤمنا تمام عمره.

وقد علم سابقا أن كلمة الارجاء عند الشيخ ليس بمعنى سقوط العمل رأسا كما عند المرجئة، بل بمعنى أصالة العقيدة وفرعية العلم وعدم دخله في الإيمان والكفر لا عدم دخله في الثواب والعقاب أصلا.

(١٤٧) قوله في القول ١٢٤ (إنها قد تجب الخ)

٣٧٢
تشير إلى ما أشار إليه الشيخ الأنصاري من اتصاف التقية بالأحكام الخمسة.

(١٤٨) وقوله (ولا فيما يغلب أو يعلم أنه استفساد في الدين)

أقول: لما كانت مسألة التقية من مصاديق باب التزاحم يراعي المرجحات المذكورة هنا وحيث أن الدين أهم من نفس المؤمن فقاعدة الأهم والمهم يقتضي ترجيح حفظ الدين على حفظ النفس.

(١٤٩) قوله (وهذا مذهب يخرج عن أصول أهل العدل وأهل الإمامة خاصة...)

أقول: يخرج بالتشديد، مراد قده أنه يستخرج على أصول أهل العدل و الإمامة دون غيرهم وعليه فكلمة (عن) إما تصحيف (على) أو بمعناه.

(١٥٠) قوله في القول ١٢٥ (كما تقدم في الصفة)

أقول: هذا البحث مر منه في موارد من كتابه، منها في القول ١٨ والقول ١٩ ولكن البحث في الأول عن صفاته (تعالى) بالنسبة إلى ذاته، لا مطلق الصفة مع موصوفها، وفي مقابله المشبهة والأشاعرة كما أشار إليهما الشيخ في المسألتين.

وبحث عنها في الأسفار ج ٦ ص ١٣٣ وفي شرح المواقف ج ٨ ص ٤٤ وفي شرح المقاصد ج ٥ ص ٦٨.

وفي الثاني أعني القول ١٩ عن الصفة والموصوف بقول مطلق وعلى

٣٧٣
النحو العام لا خصوص صفاته (تعالى).

وكلا البحثين لا يرتبطان بالمقام فإن الاسم والمسمى غير الصفة والموصوف واقعا وإن كان ربما يطلق أحدهما على الآخر مسامحة ولهذا قال (الاسم غير المسمى كما تقدم من القول في الصفة وإنها غير الموصوف) يعني أن بحث الصفة والموصوف يختلف عن بحث الاسم والمسمى وإن كان مختار الشيخ في كلا المقامين الحكم بالمغايرة وعدم الاتحاد، وهذا هو البحث الرائج في علم الكلام من أن الاسم عين المسمى أو غيره ولكن هذا أيضا قد يبحث على نحو العموم وإن الاسم هل له نوع من الاتحاد مع المسمى كما ربما يوهم إليه تقسيم الفلاسفة وجود كل شئ إلى وجود لفظي ووجود كتبي ووجود ذهني و خارجي، وكما يشعر إليه أيضا ما يوجد في كلام بعض الأصوليين مثل صاحب كفاية الأصول من فانوية اللفظ في المعنى والاسم في المسمى وكونه ما به ينظر لا ما فيه ينظر وغير ذلك، أو إن الاسم غير المسمى كما اختاره الشيخ المفيد قده.

وقد يبحث عن صفاته (تعالى) على الخصوص وإنها هل هي عين المسمى أو غيره كما يظهر من نسبة الخلاف إلى أهل التشبيه.

وهذا هو الذي أطال البحث فيه المتكلمون بعنوان البحث عن الاسم و المسمى. فراجع شرح المقاصد ج ٥ ص ٣٣٧ وغيره في غيره وكذا أجود التقريرات ج ١ ص ٨٤ بحث المشتق والكفاية ج ١ ص ٨٥ ولكن مع مغايرة جهة البحث في الأصول والكلام.

(١٥١) قوله في القول ١٢٦ (وهذا مذهب متفرع على القول بالعدل والإمامة)

٣٧٤
أقول: أما بناء على إنكار العدل والقول بالجبر فلا معنى للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ هو أمر مجبور لمجبور، أو نهى مجبور مجبورا فإذا فرضنا أن المطيعين والعصاة كلما يفعلونه بإرادة الله (تعالى) من دون اختيار لهم، فما معنى أمرهم بما لا يطيقون فعله ونهيهم عما لا يقدرون تركه.

وأما بناء المسألة على الإمامة فلان من جملة العصاة بل رأسهم ورئيسهم الأمراء والسلاطين، وهم عند أهل السنة أولوا الأمر الواجب إطاعتهم و احترامهم، وأيضا ما ذكره من أن بسط اليد فيه مشروط بوجود السلطان وإذنه وإيجابه، فالخوارج والمعتزلة لا يشترطون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شرطا أصلا، بل يوجبونه على كل حال وأما بقية أهل السنة فإنهم يرون بسط اليد للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خروجا على أولي الأمر وشقا لعصا المسلمين وصيرورة فاعلهما من أهل البغي والفتنة فلا يستقيم على قولهم الخروج بالسيف وبسط اليد أصلا. راجع مقالات الاسلاميين للأشعري ج ص.

وأما على قول الشيعة فلأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان ولكن باللسان والأزيد منه مشروط بإذن الإمام المعصوم (ع)، ومن هنا ظهر أن مراده بالسلطان الإمام المعصوم إذ لا معنى لاشتراطه بإذن سلطان الجور.

ولو أريد بالسلطان غير المعصوم فلا يحصل له بسط اليد إلا بعد وجود السلطان الجديد وإلا فلا معنى للخروج على سلطان بإذنه، والمفروض أنه لا سلطان لهم إلا بعد بسط اليد فيتوقف كل من بسط اليد وإذن السلطان على الآخر وبطلانه دليل على إرادة الإمام من السلطان.

(١٥٢) قوله في القول ١٢٧ (وإن تعلق بالوجود بأفعال قبيحة...)

٣٧٥
بعد ما ظهر من تصريحاته قده أنه ممن يرى امتناع اجتماع الأمر والنهي لا جوازه فيما إذا اجتمعا، فحينئذ تحتمل هذه العبارة وجهين أحدهما: إن العبادة إذ استكملت شرائطها وأجزائها فلا يضرها الأمور المقارنة بها إذ كانت محرمة أو قبيحة، مثل النظر إلى الأجنبية في حال الصلاة، فإنها من المقارنات الوجودية للصلاة لا من الأمور المتحدة معها وجودا.

الثاني إن العبادة إذ استجمعت الأجزاء والشرائط في نفسها يحكم بصحتها وإن تعلق وجودها الخارجي بأفعال قبيحة تصدر من فاعلها، ولكن لا في حال الصلاة بأن تصدر العبادة من مؤمن فاسق، فإن اتحاد الفاعل يكون سببا لربط العبادة وتعلقها بأفعال قبيحة تعلقا ما.

وهذا هو الذي يعبر عنه في الفقه بشرائط القبول وإن شارب الخمر والعاق لوالديه وفلان وفلان لا تقبل صلاتهم ويفرقون بينها وبين شرائط الصحة.

(١٥٣) قوله في القول ١٢٨ (واستعماله على الأغلب في العصيان)

عطف على كلمة (ظاهر) يعني لا بأس به إذا لم يكن بضرر أهل الإيمان ولا يكون استعماله على الأغلب في العصيان.

وحاصله أن المتابعة معهم يجوز بشرطين، أحدهما عدم تضرر أهل الإيمان، الثاني أن لا يكون مشوبا بكثرة المعصية بحيث يكون غالبا مبتلى بالمعصية كما هو شأن بساط أهل الجور من كثرة الفسق والفجور والظلم.

وهنا بحث لازم وهو الفرق بين هذه العناوين الخمسة المذكورة في عبارة المفيد قده فنقول: المعاونة عبارة عن تهيئة الأسباب والمقدمات لفعل الظالم مثل

٣٧٦
تهيئة السيف لقتله شخصا فإن كان مؤمنا فحرام وإن كان مهدور الدم فجائز أو واجب كما أشار إليه.

وأما الأعمال من قبلهم فهو الدخول في الدوائر الحكومية وقبول الأشغال والمناصب الرسمية وهذا هو الذي حكم بحرمته إلا من يأذن له إمام الزمان أو نائبه عند الإمامية.

وأما المتابعة لهم فهو قبول رئاستهم وعدم الخروج عن تحت رايتهم وكونه رعية وتبعا لهم بحيث يعد من اتباع حكومته فحكم بجوازه بشرطين كما أشرنا.

وأما الاكتساب منهم فهو يحتمل معنيين، أحدهما مطلق الصناعة والتجارة معهم مثل أن يكون بناء يبني لهم الدار كغيرهم وتاجرا يبيع منهم المتاع كغيرهم.

الثاني أن يختص بهم بحيث يقال مثلا بناء الحكومة أو نجارها أو الذي يشتري أو يبيع للحكومة فقط كما أشار إليه الشيخ الأنصاري.

وأما الانتفاع بأموالهم فهو مثل أخذ جائزتهم أو شراء الأموال التي كانت بأيديهم من دون وجود شئ من العناوين المذكورة سابقا.

ولتفصيل البحث راجع مبحث معاونة الظالمين ومبحث جوائز السلطان من كتاب مكاسب الشيخ الأنصاري.

(١٥٤) قوله (ولست أعرف لهم موافقا لأهل الحلاف)

أي من أهل الخلاف والسبب في اختصاص هذه الأحكام بأهل الإمامة و عدم وجود موافق لهم من المخالفين ص اختصاصهم باشتراط العصمة في حاكم المسلمين وإمامهم، ولازمه كون كل من جلس مجلسهم ظالما غاصبا وكل من شاركه في ظلمه شريكا معه، وأما أهل الخلاف فلا يوجد فيهم من يشترط

٣٧٧
العصمة في الإمام، بل اتفقوا على تصحيح الحكومات الجائرة في الجملة وإن اختلفوا في أمور جزئية.

وأما حكومة الفقيه وولايته فهي من فروع ولاية الإمام وحكومته (ع) لا شئ في مقابلها حتى ينافي اشتراط العصمة.

(١٥٥) قوله في القول ١٢٩ (لاستحالة حصوله إلا وهو فيه)

لا خلاف بين الشيعة في أن ملاك حجية الإجماع كشفه عن قول المعصوم (ع) ولكن يمكن تفسير هذا بمعنى أن حجية الإجماع يتوقف على إحراز اشتماله على قول المعصوم (ع) فالواجب لمن يدعي الإجماع إحراز أمرين: الأول إحراز اتفاق العلماء، الثاني إحراز وجود رأي المعصوم (ع) فيهم وحينئذ يأتي إشكالات عديدة تعرضوا لها في علم الأصول أهمها إن من أحرز رأي المعصوم فلا حاجة له إلى آراء البقية وهل نسبة آرائهم إلى الحجة الواقعية إلا كنسبة الحجر إلى الإنسان، ومن لم يحرز رأيه فلما ذا يتكلف لجمع آراء الفقهاء، و يمكن تفسيره على نحو لا يرد عليه هذا الاشكال بأن آراء العلماء إمارة عقلائية وشرعية تكشف عن رأي المعصوم (ع) كشفا نوعيا مثل كون خبر الثقة ونحوه كاشفا عنه وعليه فإحراز الإجماع إحراز لرأي المعصوم (ع) بالملازمة، إلا أن يقوم دليل في مورد على عدم كون الإجماع فيه كاشفا، وإلا فالأصل في الإجماع اشتماله على رأي المعصوم (ع) وإلى هذا أشار الشيخ المفيد قده بقوله (لاستحالة حصوله إلا وهو فيه).

(١٥٦) قوله (ويخالفهم فيه الخ)

٣٧٨
ليست مخالفتهم مع الشيعة في حجية الإجماع إذ هم أشد تمسكا بالاجماع منا بل مخالفتهم في كون حجيته بتبع قول المعصوم (ع) كما إن الحجة عندنا إجماع علماء الشيعة فقط، وأما عند كل فرقة فإجماع علمائهم، فكما لا تضر بإجماعنا مخالفة علماء العامة بل يقويه كذلك لا يضر بإجماعهم مخالفة علماء الشيعة بل يقويه.

(١٥٧) قوله في القول ١٣٠ (ما يدل على صدق راويه)

أقول: ذكر الراوي لا يدل على اختصاص دليل الصدق على القرائن السندية مثل الوثاقة ونحوها بل المراد كل دليل من سند الرواية أو متنها مثل كونه موافقا للكتاب ومخالفا للعامة أو نحو ذلك مما ذكروا.

كما إن دلالته على صدق الخبر أعم من الدلالة الشخصية أو النوعية بأن تفيد الاطمينان النوعي وغير ذلك فليس مراده ما نسب إلى السيد المرتضى من إنكار حجية الخبر الواحد.

والقرينة على ما ذكرت إسناده رأيه إلى جميع الشيعة بل جميع المسلمين غير متفقهة العامة وأصحاب الرأي.

إذ لو كان رأيه في الخبر الواحد رأي السيد المرتضى لكان رأيه مخالفا لجمهور الشيعة ولجمهور المسلمين أيضا وموافقا لمتفقهة العامة وأصحاب الرأي فإنهم يفرطون في رد الأخبار الآحاد.

(١٥٨) قوله في القول ١٣١: (إن حكاية القرآن قد يطلق عليه اسم القرآن.)

وقع البحث بين العدلية وغيرهم في قدم كلام الله (تعالى) الذي أوحى به

٣٧٩
إلى أنبيائه عليهم السلام فاختار الأشاعرة والحشوية قدم كلامه (تعالى) وإنه عين ذاته أو لا هو ذاته ولا غيره إلى آخر ما ذكروه، ثم فرعوا على ذاك البحث بحثا آخر وهو أن ما كتب في المصاحف وما يقرء في المجالس هل هو أيضا عين كلام الله (تعالى) حتى يكون قديما ومتحدا مع ذاته (تعالى) أو لا، واختار أكثرهم أنه أيضا قديم لأنه عين كلام الله (تعالى)، وبعضهم تلجلج في بيانه فقالوا بأنه عينه من جهة وغيره من جهة أخرى، وآراء نحو ذلك، حتى أن بعضهم حكم بقدم ورق القرآن وجلده واتحادهما مع ذاته (تعالى)، ولم يخطؤا هدفهم لأن الهدف من اختراع عقيدة قدم القرآن هو إدخال عقيدة التجسيم في هذا القالب بعقيدة المسلمين، إذ لا يخفى على أحد أن ما تقرء هواء وما يكتب حبر و قرطاس فاتحاده مع المحكي تأليه للجسم والهواء.

(١٥٩) قوله في القول ١٣١ (ويخالف فيه)

أقول: قال العلامة الزنجاني (فالألفاظ والعبارات المنزلة على الأنبياء على السن الملائكة دلالات على ذلك الكلام الأزلي القديم فالمدلول عنده قديم والدلالة محدثة). أقول: هذا ما فسر المتأخرون من الأشاعرة كلام شيخهم الأشعري أو بالأصح أن نقول إنهم أولوا كلامه واعتذروا عما يلزمه من المناقضات بهذه التوجيهات.

ولكن الدقة في كلامه كلام المتبحرين في فهم مذهبه يؤيد ما صرح به هو في كتبه واتباعه المخلصون له: من أن كلام الله الذي هو قديم هو عين المكتوب في المصاحف والمقروء على الألسن وأن المقروء والمكتوب قديمان والقراءة والكتابة حادثتان ولتوضيح المطلب ننقل عبارة شرح المواقف حتى يتضح

٣٨٠