×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

ايمان أبي طالب وسيرته / الصفحات: ١٢١ - ١٤٠

أخذنا بما صححه القرطبي في تفسيره (٥/١) وذهب اليه الاخرون من أنها مدنية أخذا بما في صحيح البخاري(١) من حديث عائشة: ما نزلت سورة النساء الا وأنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فانها نزلت في أوليات الهجرة الشريفة بالمدينة، وعلى أي من التقديرين نزلت قبل سورة آية الاستغفار ـ البراءة باحدى وعشرين سورة كما في الاتقان (٢) (١ / ١٧).

وبقوله سبحانه: (الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة).

هذه الاية (١٣٩) من سورة النساء وقد عرفت أنها نزلت قبل براءة.

وبقوله تعالي: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء الا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه والى الله المصير).

هذه الاية (٢٨) من آل عمران، نزل صدرها الى بضع وثمانين آية في أوائل الهجرة الشريفة يوم وفد نجران كما في سيرة ابن هشام (٣) (٢ / ٢٠٧)، وأخذا بما رواه القرطبي وغيره (٤) نزلت هذه الاية في عبادة بن الصامت يوم الاحزاب كانت في الخمس من الهجرة، وعلى أي من التقديرين وغيرهما نزلت آل عمران قبل براءة ـ سورة آية الاستغفار ـ بأربع وعشرين سورة كما في الاتقان (٥) (١ / ١٧).

وبقوله تعالى: (سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم)

(١) صحيح البخاري: ٧ / ٣٠٠ (٤ / ١٩١٠ ح ٤٧٤٧) في كتاب التفسير باب تأليف القرآن، وذكره القرطبي في تفسيره: ٥ / ١. (المؤلف).

(٢) الإتقان في علوم القرآن: ١ / ٢٧.

(٣) السيرة النبوية: ٢ / ٢٢٥.

(٤) تفسير القرطبي: ٤ / ٥٨ (٤ / ٣٨)، تفسير الخازن: ١ / ٢٣٥ (١ / ٢٢٧). (المؤلف).

(٥) الإتقان في علوم القرآن: ١ / ٢٧.

١٢١
وهي الاية السادسة من المنافقين نزلت عام غزوة بني المصطلق سنة ست، وهو المشهور عند أصحاب المغازي والسير كما قاله ابن كثير (١) ونزلت قبل براءة بثماني سور كما في الاتقان (١ / ١٧).

وبقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم واخوانكم أولياء ان استحبوا الكفر على الايمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون) وبقوله تعالى: (اسستغفر لهم أو لا تستغفر لهم ان تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم).

وهذه وما قبلها الايتان (٢٣ و ٨٠) من سورة التوبة نزلتا قبل آية الاستغفار.

أترى النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع هذه الايات النازلة قبل آية الاستغفار كان يستغفر لعمه طيلة سنين وقد مات كافرا ـ العياذ بالله ـ وهو ينظر اليه من كثب؟ لاها الله، حاشا نبي العظمة.

ولعل لهذه كلها استبعد الحسين بن الفضل نزولها في أبي طالب وقال: هذا بعيد لان السورة من آخر ما نزل من القرآن، ومات أبو طالب في عنفوان الاسلام والنبي صلى الله عليه وآله وسلم بمكة، وذكره القرطبي وأقره في تفسيره (٢) (٨ / ٢٧٣).

٤ ـ إن هناك روايات تضاد هذه الرواية في مورد نزول آية الاستغفار من سورة براءة، منها:

صحيحة أخرجها (٣) الطيالسي، وابن أبي شيبة، وأحمد، والترمذي،

(١) تفسير القرطبي: ١٨ / ١٢٧ (١٨ / ٨٣)، تفسير ابن كثير: ٤ / ٣٦٩، (المؤلف).

(٢) الجامع لأحكام القرآن: ٨ / ١٧٣.

(٣) مسند أبي داود الطيالسي: ص ٢٠ ح ١٣١، المصنف في الأحاديث والآثار: ١٠ / ٥٢٢ ح ١٠١٩٠، مسند أحمد ١: ٢١٠ ح ١٠٩٩، سنن الترمذي: ٥ / ٢٦٢ ح ٣١٠١، السنن الكبرى: ١ / ٦٥٥ ح ٢١٦٣، مسند أبي يعلى: ١ / ٢٨٠ ح ٣٣٥، جامع البيان: مج ٧ / ج ١١ / ٤٣، المستدرك على الصحيحين: ٢ / ٣٦٥ ح ٣٢٨٩، شعب الإيمان: ٧ / ٤١ ح ٩٣٧٨.

١٢٢
والنسائي، وأبو يعلي، وابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الايمان، والضياء في المختارة عن علي قال: «سمعت رجلا يستغفر لابويه وهما مشركان فقلت: تستغفر لابويك وهما مشركان؟ فقال: أولم يستغفر ابراهيم؟ فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فنزلت: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم وما كان استغفار ابراهيم لابيه الا عن موعدة وعدها اياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ان ابراهيم لاواه حليم) (١)».

يظهر من هذه الرواية أن عدم جواز الاستغفار للمشركين كان أمرا معهودا قبل نزول الاية ولذلك ردع عنه مولانا أمير المؤمنين الرجل، وقوله عليه السلام هذا لا يلائم استغفار النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعمه على تقدير عدم اسلامه، وترى الرجل ما استند في تبرير عمله الى استغفار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعمه علما بأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يستغفر لمشرك قط.

قال السيد زيني دحلان في أسنى المطالب (٢) (ص ١٨) هذه الرواية صحيحة وقد وجدنا لها شاهدا برواية صحيحة من حديث ابن عباس رضى الله عنه قال: كانوا يستغفرون لابائهم حتى نزلت هذه الاية، فلما نزلت أمسكوا عن الاستغفار لامواتهم ولم ينهوا أن يستغفروا للاحياء حتى يموتوا ثم أنزل الله تعالى: (وما كان استغفار ابراهيم) الاية يعني استغفر له ما دام حيا فلما مات أمسك عن الاستغفار له، قال: وهذا شاهد صحيح فحيث كانت هذه الرواية أصح كان العمل بها أرجح، فالارجح أنها نزلت في استغفار أناس لابائهم المشركين لا في أبي طالب. انتهى.

ومنها: ما أخرجه (٣) ـ في سبب نزول آية الاستغفار ـ مسلم في صحيحه،

(١) التوبة: ١١٣، ١١٤.

(٢) أسنى المطالب: ص ٤٥.

(٣) صحيح مسلم: ٢ / ٣٦٥ ح ١٠٦ كتاب الجنائز، مسند أحمد: ٣ / ١٨٦ ح ٩٣٩٥، سنن أبي داود: ٣ / ٢١٨ ح ٣٢٣٤، السنن الكبرى: ١ / ٦٥٤ ح ٢١٦١، سنن ابن ماجة: ١ / ٥٠١ ح ١٥٧٢.

١٢٣
كتاب ايمان أبي طالب وسيرته للشيخ عبد الحسين الأميني النجفي (ص ١٢٤ - ص ١٤٣)
١٢٤

وقال القسطلاني في ارشاد الساري (١) (٧ / ٢٧٠)، قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتى قبر أمه لما اعتمر فاستأذن ربه أن يستغفر لها فنزلت هذه الاية. رواه الحاكم (٢) وابن أبي حاتم عن ابن مسعود، والطبراني (٣) عن ابن عباس، وفي ذلك دلالة على تأخر نزول الاية عن وفاة أبي طالب والاصل عدم تكرار النزول.

قال الاميني: هلا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعلم الى يوم تبوك بعد تلكم الايات النازلة التي أسلفناها في (ص (١٠ ـ ١٢)، أنه غير مسوغ له وللمؤمنين الاستغفار للمشركين والشفاعة لهم، فجاء يستأذن ربه أن يستغفر لامه ويشفع لها؟ أو كان يحسب أن لامه حسابا آخر دون سائر البشر؟ أو أن الرواية مختلقة تمس كرامة النبي الاقدس، وتدنس ذيل قداسة أمه الطاهرة عن الشرك.

ومنها: ما أخرجه الطبري في تفسيره (٤) (١١ / ٣١) عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم قالوا: يا نبي الله ان من آبائنا من كان يحسن الجوار، ويصل الرحم، ويفك العاني، ويوفي بالذمم، أفلا نستغفر لهم؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم بلي] (٥) والله لاستغفرن لابي كما استغفر ابراهيم لابيه، فأنزل الله: (ما كان للنبي)، ثم عذر الله ابراهيم عليه الصلاة والسلام فقال: (وما كان استغفار ابراهيم لابيه) الى قوله: (تبرأ منه).

وأخرج الطبري من طريق عطية العوفي عن ابن عباس قال: ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراد أن يستغفر لابيه فنهاه الله عن ذلك بقوله: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن

(١) إرشاد الساري: ١٠ / ٥٦٠ ـ ٥٦١ ح ٤٧٧٢.

(٢) المستدرك على الصحيحن: ٢ / ٣٦٦ ح ٣٢٩٢.

(٣) المعجم الكبير: ١١ / ٢٩٦ ح ١٢٠٤٩.

(٤) جامع البيان: مج ٧ / ج ١١ / ٤٣.

(٥) من المصدر.

١٢٥
يستغفروا للمشركين) الاية. قال: فان ابراهيم قد استغفر لابيه، فنزلت: (وما كان استغفار ابراهيم لابيه الا عن موعدة) الاية: الدر المنثور (١) (٣ / ٢٨٣).

وفي هاتين الروايتين نص على أن نزول الاية الكريمة في أبيه وآباء رجال من أصحابه صلى الله عليه وآله وسلم لا في عمه ولا في أمه.

ومنها: ما جاء به الطبري في تفسيره (٢) (١١ / ٣٣)، قال: قال آخرون: الاستغفار في هذا الموضع بمعنى الصلاة. ثم أخرج من طريق المثنى عن عطاء بن أبي رباح قال: ما كنت أدع الصلاة على أحد من أهل هذه القبلة ولو كانت حبشية حبلى من الزنا، لاني لم أسمع الله يحجب الصلاة الا عن المشركين يقول الل: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين) الاية.

وهذا التفسير ان صح فهو مخالف لجميع ما تقدم من الروايات الدالة على أن المراد من الاية هو طلب المغفرة كما هو الناهر المتفاهم من اللفظ.

ونفس هذا الاضطراب والمناقضة بين هذه المنقولات وبين ما جاء به البخاري مما يفت في عضد الجميع، وينهك من اعتباره، فلا يحتج بمثله ولا سيما في مثل المقام من تكفير مسلم بار، وتبعيد المتفاني دون الدين عنه.

٥ ـ ان المستفاد من رواية البخاري نزول آية الاستغفار عند موت أبي طالب كما هو ناهر ما أخرجه اسحاق بن بشر وابن عساكر عن الحسن، قال: لما مات أبو طالب قال النبي: صلى الله عليه وآله وسلم ان ابراهيم استغفر لابيه وهو مشرك وأنا أستغفر لعمي حتى أبلغ، فأنزل الله (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين). الاية. يعني به أبا طالب، فاشتد على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال الله لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم وما كان استغفار

(١) الدر المنثور: ٤ / ٣٠٢.

(٢) جامع البيان: مج ٧ / ج ١١ / ٤٤.

١٢٦
ابراهيم لابيه الا عن موعدة وعدها اياه) الدر المنثور (١) (٣ / ٢٨٣) وان ناقضها ما أخرجه ابن سعد وابن عساكر عن علي قال: أخبرت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بموت أبي طالب فبكي فقال: اذهب فغسله وكفنه وواره غفر الله له ورحمه. ففعلت وجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستغفر له أياما ولا يخرج من بيته حتى نزل جبريل عليه السلام بهذه الاية: (ما كان للنبي والذين آمنوا) الآية (٢).

ولعله ناهر ما أخرجه ابن سعد وأبو الشيخ وابن عساكر من طريق سفيان بن عيينة عن عمر قال: لما مات أبو طالب قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رحمك الله وغفر لك، لا أزال أستغفر لك حتى ينهاني الله، فأخذ المسلمون يستغفرون لموتاهم الذين ماتوا وهم مشركون فأنزل الله (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين) الدر المنثور (٣ / ٢٨٣).

لكن الامة أصفقت على أن نزول سورة البراءة التي تضمنت الاية الكريمة آخر ما نزل من القرآن كما مر في (ص ١٠) وكان ذلك بعد الفتح، وهي هي التي بعث بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر ليتلوها علي أهل مكة ثم استرجعه بوحي من الله سبحانه وقيض لها مولانا أمير المؤمنين فقال: «لا يبلغها عني الا أنا أو رجل مني» (٣) وقد جاء في صحيحة مرت من عدة طرق في (ص ل١٣) من أن آية الاستغفار نزلت بعد ما أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من غزوة تبوك وكانت في سنة تسع فأين من هذه كلها نزولها عند وفاة أبي طالب أو بعدها بأيام؟ وأني يصح ما جاء به البخاري ومن يشاكله في رواية البواطيل.

(١) الدر المنثور: ٤ / ٣٠١.

(٢) طبقات ابن سعد: ١ / ١٠٥ (١ / ١٢٣)، الدر المنثور: ٣ / ٢٨٢ (٤ / ٣٠١) نقلا عن ابن سعد وعساكر (مختصر تاريخ مدينة دمشق: ٢٩ / ٣٢). (المؤلف).

(٣) راجع الجزء السادس من كتابنا هذا: ص ٣٣٨ ـ ٣٥٠. (المؤلف).

١٢٧

٦ ـ ان سياق الاية الكريمة ـ آية الاستغفار سياق نفي لا نهي فلا نص فيها على أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استغفر فنهى عنه، وانما يلتئم مع استغفاره لعلمه بايمان عمه، وبما أن في الحضور من كان لا يعرف ذلك من ظاهر حال أبي طالب الذي كان يماشي به قريشا، فقالوا في ذلك أو اتخذوه مدركا لجواز الاستغفار للمشركين، كما ربما احتجوا بفعل ابراهيم عليه السلام فأنزل الله سبحانه الاية وما بعدها من قوله تعالى: (وما كان استغفار ابراهيم) الاية. تنزيها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وتعذيرا لابراهيم عليه السلام، وايعازا الى أن من استغفر له النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن مشركا كما حسبوه، وأن مرتبة النبوة تأبى عن الاستغفار للمشركين، فنفس صدوره منه صلى الله عليه وآله وسلم برهنة كافية على أن أبا طالب لم يكن مشركا، وقد عرفت ذلك أفذاذ من الامة فلم يحتجوا بعمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم لاستغفارهم لابائهم المشركين، وانما اقتصروا في الاحتجاج بعمل ابراهيم عليه السلام كما مر في صحيحة عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام قال: «سمعت رجلا يستغفر لابويه وهما مشركان فقلت: تستغفر لابويك وهما مشركان؟ قال: أو لم يستغفر ابراهيم؟». الحديث. راجع صفحة (١٢) من هذا الجزء.

ولو كان يعرف هذا الرجل أبا طالب مشركا لكان الاستدلال لتبرير عمله باستغفار نبي الاسلام له ـ ولم يكن يخفي على أي أحد أولى من استغفار ابراهيم لابيه لكنه اقتصر على ما استدل به.

٧ ـ انا علي تقدير التسليم لرواية البخاري وغض الطرف عما سبق عن العباس من أن أبا طالب لهج بالشهادتين، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الحمد لله الذي هداك يا عم وما مر عن مولانا أمير المؤمنين من أنه ما مات حتى أعطى رسول الله من نفسه الرضا، وما مر من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «كل الخير أرجو من ربي لابي طالب». وما مر من وصية أبي طالب عند الوفاة لقريش وبني عبد المطلب باطاعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم واتباعه والتسليم لامره وأن فيه الرشد والفلاح، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم الامين في قريش والصديق في العرب. الى تلكم النصوص الجمة في نثره وننمه، فبعد غض الطرف عن هذه كلها

١٢٨
لا نسلم أن أبا طالب عليه السلام أبى عن الايمان في ساعته الاخيرة لقوله: على ملة عبد المطلب. ونحن لا نرتاب في أن عبد المطلب سلام الله عليه كان على المبدأ الحق، وعلى دين الله الذي ارتضاه للناس رب العالمين يومئذ، وكان معترفا بالمبدأ والمعاد، عارفا بأمر الرسالة، اللائح على أساريره نورها، الساكن في صلبه صاحبها، وللشهرستاني حول سيدنا عبدالمطلب كلمة ذكرنا جملة منها في الجزء السابع (ص ٣٤٦ و ٣٥٣) فراجع الملل والنحل (١) والكتب التي ألفها السيوطي (٢) في آباء النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتي تعرف جلية الحال، فقول أبي طالب عليه السلام: على ملة عبد المطلب. صريح في أنه معتنق تلكم المبادي كلها، أضف الى ذلك نصوصه المتواصلة طيلة حياته على صحة الدعوة المحمدية.

٨ ـ نظرة في الثانية من الايتين، ولعلك عرفت بطلان دلالتها على ما ارتأوه من كفر شيخ الاباطح ـ سلام الله عليه من بعض ما ذكرناه من الوجوه، فهلم معي لننظر فيها خاصة وفيما جاء فيها بمفردها، فنقول:

أولا: ان هذه الاية متوسطة بين آي تصف المؤمنين، وأخرى يذكر سبحانه فيها الذين لم يؤمنوا حذار أن يتخطفوا من مكة المعظمة، فمقتضى سياق الايات أنه سبحانه لم يرد بهذه الاية الا بيان أن الذين اهتدوا من المذكورين قبلها لم تستند هدايتهم الى دعوة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فحسب، وانما الاستناد الحقيقي الي مشيئته وارادته سبحانه على وجه لا ينتهي الى الالجاء بنحو من التوفيق، كما أن استناد الاضلال اليه سبحانه بنحو من الخذلان، وان كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسيطا في تبليغ الدعوة (فان تولوا

(١) الملل والنحل: ٢ / ٢٤٩.

(٢) منها: مسالك الحنفا في والدي المصطفى، الدرج المنيفة في الآباء الشريفة، المقامة السندسية في النسبة المصطفوية، التعظيم والمنة في أن أبوي رسول الله في الجنة، نشر العلمين في إحياء الأبوين، السبل الجلية في الآباء العلية. (المؤلف).

١٢٩
فانما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وان تطيعوه تهتدوا وما على الرسول الا البلاغ المبين) (١)). وفي الذكر الحكيم: (انما امرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها ووله كل شيء وامرت أن أكون من المسلمين وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فانما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل انما أنا من المنذرين) (٢)، كما أن ابليس اللعين يزين للعاصي عمله (أولو كان الشيطان يدعوهم الى عذاب السعير) (٣)، (وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل) (٤)، (استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله) (٥) (ان الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملي لهم) (٦) وقد جاء فيما أخرجه العقيلي (٧) وابن عدي (٨) وابن مردويه والديلمي (٩) وابن عساكر وابن النجار عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (بعثت داعيا ومبلغا وليس الى من الهدي شيء، وخلق ابليس مزينا وليس اليه من الضلالة شيء) (١٠).

فهذه الاية الكريمة كبقية ما جاء في الذكر الحكيم من اسناد كل من الهداية والضلال اليه سبحانه كقوله تعالي:

١ ـ (ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء) البقرة: ٢٧٢.

٢ ـ (ان تحرص على هداهم فان الله لا يهدي من يضل) النحل: ٣٧.

(١) النور: ٥٤.

(٢) النمل: ٩١ و ٩٢.

(٣) لقمان: ٢١.

(٤) العنكبوت: ٣٨، النمل: ٢٤.

(٥) المجادلة: ١٩.

(٦) محمد: ٢٥.

(٧) الضعفاء الكبير: ٢ / ٩ رقم ٤١٠.

(٨) الكامل في ضعفاء الرجال: ٣ / ٣٩ رقم ٥٩٧.

(٩) الفردوس بمأثور الخطاب: ٢ / ١١ ح ٢٠٩٤.

(١٠) مجمع الزوائد للحافظ الهيثمي، الجامع الصغير للسيوطي (١ / ٤٨٧ ح ٣١٥٣). (المؤلف).

١٣٠

٣ ـ (أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين) الزخرف:٤٠.

٤ ـ (وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم) النمل:٨١.

٥ ـ (أتريدون أن تهدوا من أضل الله) النساء: ٨٨.

٦ ـ (أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون) يونس: ٤٣.

٧ ـ (من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا) الكهف:١٧.

٨ ـ (ان الله يضل من يشاء ويهدي اليه من أناب) الرعد:٢٧.

٩ ـ (فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم) ابراهيم: ٤.

١٠ ـ (ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء) النحل: ٩٣.

الى آيات كثيرة مما يدل على استناد الهداية والضلال الى الله تعالى على وجه لا ينافي اختيار العبد فيهما، ولذلك أسندا اليه والى مشيئته أيضا في آي أخرى كقوله تعالى:

١ ـ (فمن اهتدى فانما يهتدي لنفسه ومن ضل فانما يضل عليها) يونس:١٠٨.

٢ ـ (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) الكهف:٢٩.

٣ ـ (ان هو الا ذكر للعالمين ں لمن شاء منكم أن يستقيم) التكوير: ٢٧، ٢٨.

٤ ـ (من اهتدى فانما يهتدي لنفسه ومن ضل فانما يضل عليها) الاسراء: ٥١.

٥ ـ (فمن اهتدى فانما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل انما أنا من المنذرين) النمل:٩٢.

٦ ـ (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم) البقرة: ١٦.

١٣١

٧ ـ (فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة) الاعراف: ٣٠.

٨ ـ (ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين) القصص: ٨٥.

٩ ـ (ان أحسنتم أحسنتم لانفسكم وان أسأتم فلها) الاسراء: ٧.

١٠ ـ (فان أسلموا فقد اهتدوا وان تولوا فانما عليك البلاغ) آل عمران: ٢٠.

الى آيات أخرى، ولا مناقضة بين هذين الفريقين من الاي الكريمة بما قدمناه وبما ثبت من صحة اسناد الفعل الى الباعث تارة والى المباشر المختار أخرى.

فآيتنا هذه صاحبة البحث والعنوان من الفريق الاول، وقد سيق بيانها بعد آيات المؤمنين لافادة ما أريدت افادته من لداتها، ولبيان أن هؤلاء المذكورين من المهتدين هم على شاكلة غيرهم في اسناد هدايتهم اليه سبحانه، فلا صلة لها بأي انسان خاص أبي طالب أو غيره، وان ماشينا القوم على وجود الصلة بينها وبين أبي طالب عليه السلام فانها بمعونة سابقتها على ايمانه أدل. هكذا ينبغي أن تفسر هذه الاية غير مكترث لما جاء حولها من التافهات مما سبق ويأتي.

وثانيا: ان ما روي فيها بمفردها كلها مراسيل، فان منها: ما رواه عبد بن حميد ومسلم (١) والترمذي (٢) وغيرهم عن أبي هريرة رضي الله عنه عنه قال: لما حضرت وفاة أبي طالب فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا عماه قل: لا اله الا الله، أشهد لك بها عند الله يوم القيامة، فقال: لولا أن تعيرني قريش يقولون: ما حمله عليها الا جزعه من الموت لاقررت بها عينك فأنزل الله عليه: (انك لا تهدي من أحببت) الآية (٣).

كيف يرويه أبو هريرة وكان يوم وفاة أبي طالب شحاذا من متكففي دوس

(١) صحيح مسلم: ١ / ٨٤ ح ٤٢ كتاب الإيمان.

(٢) سنن الترمذي: ٥ / ٣١٨ ح ٣١٨٨.

(٣) الدر المنثور: ٥ / ١٣٣ (٦ / ٤٢٨). (المؤلف).

١٣٢
باليمن الكفرة، يسأل الناس الحافا، ويكتنفه البؤس من جوانبه، وما ألم بالاسلام الا عام خيبر سنة سبع من الهجرة الشريفة باتفاق من الجمهور؟ فأين كان هو من وفاة أبي طالب، وما دار هنالك من الحديث؟ فان صدق في روايته فهو راو عمن لم ينوه باسمه، وان كان تدليس أبي هريرة قد اطرد في موارد كثيرة، روي أشياء ادعى فيها المشاهدة أو دل عليها السياق لكنه لم يشاهد شيئا منها، ومن أراد الوقوف على هذه وغيرها من أمر أبي هريرة فليراجع كتاب أبو هريرة لسيدنا المصلح الشريف الحجة السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي حياه الله وبياه فقد جمع ذلك فأوعى.

ومنها: ما أخرجه ابن مردويه وغيره من طريق أبي سهل السري بن سهل بالاسناد عن عبد القدوس، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: نزلت: (انك لا تهدي من أحببت) الاية، في أبي طالب ألح عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يسلم فأبى، فأنزل الله (إنك لا تهدي)، الحديث (١).

أبو سهل السري أحد الكذابين وضاع كان يسرق الحديث كما مر في سلسلة الكذابين (٥ / ٢٣١)، وعبد القدوس أبو سعيد الدمشقي أحد الكذابين كما أسلفناه في الجزء الخامس (ص ٢٣٨).

وظاهر هذه الرواية كسابقتها هو المشاهدة، والاثبت على ما قاله ابن حجر في الاصابة(٢ / ٣٣١): أن ابن عباس ولد قبل الهجرة بثلاث. فهو عند وفاة عمه أبي طالب كان يرضع ثدي أمه فلا يسعه الحضور في ذلك المشهد.

وان صدقت الرواية عنه ـ وأنى تصدق؟ فان ابن عباس أسند ما يقوله الى من لا نعرفه، ولعل رواة السوء حذفوه لضعفه، كما حذف غير واحد من المؤلفين أبا سهل السري وعبد القدوس ونظراءهما من أسانيد هذه الافائك سترا على عللها.

(١) الدر المنثور: ٥ / ١٣٣ (٦ / ٤٢٩).
١٣٣

والقول الفصل: ان حبر الامة لم يلهج بتلكم الخزاية، وان لهج بشيء من أمر ذلك المشهد عن أحد فأولى له أن يقول ما قاله أبوه من أنه سمع أبا طالب يشهد بالشهادتين عند وفاته (١). أو يفوه بما أسلفناه عن ابن عمه الاقدس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (٢)، أو يروي ما جاء عن ابن عمه الطاهر أمير المؤمنين عليه السلام (٣) أليس ابن عباس راوي ما ثبت عنه من قول أبي طالب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما مر في(٧ / ٣٥٥): قم يا سيدي فتكلم بما تحب وبلغ رسالة ربك فانك الصادق المصدق؟

ومنها: ما أخرجه أبو سهل السري الكذاب المذكور من طريق عبد القدوس الكذاب أيضا، عن نافع، عن ابن عمر قال: (انك لا تهدي من أحببت)ا لاية. نزلت في أبي طالب عند موته، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم عند رأسه وهو يقول: يا عم قل لا اله الا الله أشفع لك بها يوم القيامة، قال أبو طالب: لاتعيرني نساء قريش بعدي أني جزعت عند موتي، فأنزل الله تعالي: (انك لا تهدي من أحببت) الحديث (٤).

لعل ابن عمر لا يدعي في روايته الحضور في ذلك المحضر. وليس له أن يدعي ذلك لانه كان وقتئذ ابن سبع سنين تقريبا، فان مولده كان بعد البعثة بثلاث (٥) ومن طبع الحال أن من هو بهذا السن لا يطلق سراحه الى ذلك المنتدى الرهيب، والمسجى فيه سيد الاباطح ويلي أمره نبي العظمة، ويحضره مشيخة قريش، فلابد من أنه سمع من يقول ذلك ممن حضر واطلع، ولا يخلو أن يكون ذلك اما ولد المتوفي وهو مولانا أمير المؤمنين والثابت عنه ما مر في الجزء السابع، أو عن بقية أولاده من طالب وجعفر

(١) راجع ما أسلفناه في صحفة: ٣٧٠ من الجزء السابع. (المؤلف).

(٢) راجع ما مر في صفحة ٣٧٣ من الجزء السابع. (المؤلف).

(٣) راجع ما سبق في صفحة ٣٧٩ من الجزء السابع. (المؤلف)

١٣٤
وعقيل ولم ينبسوا في هذا الامر ببنت شفة، أو عن أخيه العباس وقد صح عنه ماأسلفناه في الجزء السابع، أو عن ابن أخيه الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم فقد عرفت قوله فيه فيما مر، فممن أخذ ابن عمر؟ ولماذا حذف اسمه؟ ولما شرك أبا جهل مع أبي طالب في احدى روايتيه، ولم يقل به أحد غيره؟ وهل في الرواة من تقول عليه كل ذلك؟ فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر.

واعطف على هذه ما عزوه الى مجاهد وقتادة في شأن نزول الاية (١) فان مستند أقوالهما اما هذه الروايات أو أنهما سمعاها من أناس مجهولين، فمراسيل كهذه لا يحتج بها على أمر خطير مثل تكفير أبي طالب بعد ثبوت ايمانه بما صدع به الصادع الكريم وتفانيه دونه والذب عنه بالبرهنة القاطعة.

ومن التفسير بالرأي والدعوى المجردة ما عن قتادة ومن يشاكله مرسلا من تبعيض الاية بين أبي طالب والعباس، فجعل صدرها لابي طالب وذيلها للعباس (٢) الذي أسلم بعد نزول الاية بعدة سنين كما هو المتسالم عليه عنه الجمهور.

وأنت تعرف بعد هذه كلها قيمة قول الزجاج: أجمع المسلمون على أنها نزلت في أبي طالب. وما عقبه به القرطبي من قوله: والصواب أن يقال: أجمع جل المفسرين على أنها نزلت في شأن أبي طالب (٣). (انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به اثما مبينا) (٤).

(١) تاريخ ابن كثير: ٣ / ١٢٤ (٣ / ١٥٣).(المؤلف).

(٢) تفسير القرطبي: ١٣ / ٢٩٩ (١٣ / ١٩٨)، الدر المنثور: ٥ / ١٣٣ (٦ / ٤٢٩). (المؤلف)

(٣) تفسير القرطبي: ١٣ / ٢٩٩ (١٣ / ١٩٨). (المؤلف)

(٤) النساء: ٥٠.

١٣٥

حديث الضحضاح

الى هنا انتهي كل ما للقوم من نبل تقله كنانة الاحقاد، أو ذخيرة في علبة الضغائن رموا بها أبا طالب، وقد أتينا عليها فجعلناها هباء منثورا، ولم يبق لهم الا رواية الضحضاح، وما لاعداء أبي طالب حولها من مكاء وتصدية، وهي على مايلي:

أخرج البخاري ومسلم من طريق سفيان الثوري عن عبد الملك بن عمير، عن عبدالله بن الحارث قال: حدثنا العباس بن عبد المطلب أنه قال: قلت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ما أغنيت عن عمك فانه كان يحوطك ويغضب لك. قال: هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الاسفل.

وفي لفظ آخر: قلت: يا رسول الله ان أبا طالب كان يحفظك وينصرك فهل نفعه ذلك؟ قال: نعم وجدته في غمرات من النار فأخرجته الى ضحضاح.

ومن حديث الليث حدثني ابن الهاد عن عبدالله بن خباب، عن أبي سعيد أنه سمع النبي صل عليه وآله وسلم ذكر أبو طالب عنده فقال: لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه.

وفي صحيح البخاري من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن يزيد بن الهاد نحوه، غير أن فيه تغلي منه أم دماغه.

راجع (١) صحيح البخاري في أبواب المناقب باب قصة أبي طالب (٦/٣٣، ٣٤) وفي كتاب الادب باب كنية المشرك (٩/٩٢)، صحيح مسلم كتاب الايمان،

(١) صحيح البخاري: ٣ / ١٤٠٨ ح ٣٦٧٠، ص ١٤٠٩ ح ٣٦٧٢ و ٥ / ٢٢٩٣ ح ٥٨٥٥، ص ٢٤٠٠ ـ ٢٤٠١ ح ٦١٩٦، صحيح مسلم: ١ / ٢٤٧ ح ٣٥٧ كتاب الإيمان، الطبقات الكبرى: ١ / ١٢٤، مسند أحمد: ١ / ٣٣٩ ح ١٧٦٦، ص ٣٤٠ ح ١٧٧١، عيون الأثر: ١ / ١٧٢، البداية والنهاية: ٣ / ١٥٤.
١٣٦

طبقات ابن سعد (١/١٠٦) طبعة مصر، مسند أحمد (١/٢٠٦، ٢٠٧)، عيون الاثر (١ / ١٣٢) تاريخ ابن كثير (٣ / ١٢٥).

قال الاميني: نحن لا تروقنا المناقشة في الاسانيد لمكان سفيان الثوري وما مر فيه (ص٤) من أنه كان يدلس عن الضعفاء ويكتب عن الكذابين. ولا لمكان عبدالملك بن عمير اللخمي الكوفي الذي طال عمره وساء حفنه، قال أبو حاتم (١): ليس بحافظ تغير حفنه، وقال أحمد (٢): ضعيف، وقال ابن معين (٣) مخلم، وقال ابن خراش: كان شعبة لا يرضاه، وذكر الكوسج عن أحمد أنه ضعفه جدا (٤).

ولا لمكان عبد العزيز الدراوردي، قال أحمد بن حنبل: اذا حدث من حفنه يهم ليس هوبشيء، واذا حدث من كتابه فنعم، واذا حدث جاء ببواطيل، وقال أبو حاتم (٥) لا يحتج به، وقال أبو زرعة: سيئ الحفظ (٦).

كما أنا لا نناقش بتضارب متون الرواية بأن قوله: لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، يعطي أن الضحضاح مؤجل له الى يوم القيامة بنحو من الرجاء المدلول عليه لقوله: لعله. وان قوله: وجدته في غمرات النار فأخرجته الى ضحضاح. هو واضح في تعجيل الضحضاح له وثبوت الشفاعة قبل صدور الكلام.

لكن لنا هاهنا كلمة واحدة وهي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أناط شفاعته لابي طالب عند وفاته بالشهادة بكلمة الاخلاص بقوله صلى الله عليه وآله وسلم يا عم قل لا اله الا الله كلمة

(١) الجرح والتعديل: ٥ / ٣٦١ رقم ١٧٠٠.

(٢) العلل ومعرفة الرجال: ١ / ٢٤٩ رقم ٣٣٩.

(٣) التاريخ: ٢ / ٣٧٣.

(٤) ميزان الاعتدال: ٢ / ١٥١ (٢ / ٦٦٠ رقم ٥٢٣٥). (المؤلف).

(٥) الجرح والتعديل: ٥ / ٣٩٥ رقم ١٨٣٣.

(٦) ميزان الاعتدال: ٢ / ١٢٨ (٢ / ٦٣٣ رقم ٥١٢٥). (المؤلف).

١٣٧
استحل لك بها الشفاعة يوم القيامة (١) كما أنه صلى الله عليه وآله وسلم أناطها بها في مطلق الشفاعة، وجاء ذلك في أخبار كثيرة جمع جملة منها الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب (٢) (٤ / ١٥٠ ـ ١٥٨) منها في حديث عن عبدالله بن عمر مرفوعا: قيل لي: «سل فان كل نبي قد سأل فأخرت مسألتي الى يوم القيامة فهي لكم ولمن شهد أن لا اله الا الله» فقال: رواه أحمد (٣) باسناد صحيح.

ومنها: عن أبي ذر الغفاري مرفوعا في حديث: «أعطيت الشفاعة وهي نائلة من أمتي من لا يشرك بالله شيئا»: فقال: رواه البزار واسناده جيد الا أن فيه انقطاعا.

ومنها: عن عوف بن مالك الاشجعي في حديث: «ان شفاعتي لكل مسلم» فقال: رواه الطبراني (٤) بأسانيد أحدها جيد، وابن حبان في صحيحه (٥) وفي لفظه: «الشفاعة لمن مات لا يشرك بالله شيئا».

ومنها: عن أنس في حديث: أوحي الله الى جبريل عليه السلام أن اذهب الى محمد فقل له: ارفع رأسك سل تعم واشفع تشفع ـ الى قوله: أدخل من أمتك من خلق الله من شهد أن لا اله الا الله يوما واحدا مخلصا ومات على ذلك.

فقال المنذري (٦) رواه أحمد (٧) ورواته محتج بهم في الصحيح.

(١) مستدرك الحاكم: ٢ / ٣٢٦ ح ٣٢٩١، وكذا في تلخيصه) صححه هو والذهبي في التلخيص، تاريخ أبي الفداء: ١ / ١٢٠، المواهب اللدنية: ١ / ٧١ (١ / ٢٦٢)، كشف الغمة للشعراني: ٢ / ١٤٤، كنز العمال: ٧ / ١٢٨ (١٤ / ٣٧ ح ٣٧٨٧٤)، شرح المواهب للزرقاني: ١ / ٢٩١. (المؤلف).

(٢) الترغيب والترهيب: ٤ / ٤٣٢ ـ ٤٣٧ ح ٩١، ٩٣، ٩٤، ٩٦، ٩٨.

(٣) مسند أحمد: ٢ / ٤٤٤ ح ٧٠٢٨.

(٤) المعجم الكبير: ١٨ / ٥٩ ح ١٠٧.

(٥) الإحسان في تقريب صححي ابن حبان: ١٤ / ٣٧٦ ح ٦٤٦٣.

(٦) الترغيب والترهيب: ٤ / ٤٣٦ ح ٠٩٦

(٧) مسند أحمد: ٣ / ٥٦١ ح ١١٧٤٣.

١٣٨

ومنها: عن أبي هريرة مرفوعا في حديث: «شفاعتي لمن شهد أن لا اله الا الله مخلصا، وأن محمدا رسول الله، يصدق لسانه قلبه وقلبه لسانه». رواه أحمد (١) وابن حبان في صحيحه (٢).

ومنها: ما مر في (ص ١٣) من طريق أبي هريرة وابن عباس من أنه صلى الله عليه وآله وسلم دعا ربه واستأذنه أن يستغفر لامه ويأذن له في شفاعتها يوم القيامة فأبى أن يأذن.

وقال السهيلي في الروض الانف (٣) (١ / ١١٣): وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: أستأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي، واستأذنته أن أستغفر لها فلم يأذن لي. وفي مسند البزار من حديث بريدة أنه صلى الله عليه وآله وسلم حين أراد أن يستغفر لامه ضرب جبريل عليه السلام عفي صدره وقال له: لا تستغفر لمن كان مشركا، فرجع وهو حزين (٤).

فالمنفي في صورة انتفاء الشهادة جنس الشفاعة بمعنى عدمها كلية لعدم أهلية الكافر لها حتى في بعض مراتب العذاب، فالشفاعة للتخفيف في العذاب من مراتبها المنفية، كما أنها نفيت كذلك في كتاب الله العزيز بقوله تعالي: (والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضي عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور) فاطر: ٣٦.

وبقوله تعال: (واذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون) النحل: ٥٨. وبقوله تعالى: (خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون) البقرة: ١٦٢، آل عمران: ٨٨.

(١) مسند أحمد: ٣ / ٣٢٣ ح ١٠٣٣٥.

(٢) الإحسان في تقريب ابن حبان: ١٤ / ٣٨٤ ح ٦٤٦٦.

(٣) الروض الأنف: ٢ / ١٨٥.

(٤) نحن لا نقيم لمثل هذه الرواية وزنا ولا كرامة، غير أن خضوع القوم لها يلجئنا إلى الحجاج بها. (المؤلف).

١٣٩

وبقوله تعالى: (وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب ں قالوا أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين الا في ضلال) غافر: ٤٩، ٥٠.

وبقوله تعالى: (أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالاخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون) البقرة: ٨٦.

وبقوله تعالى: (وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وان تعدل كل عدل لا يؤخذ منها أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون) الانعام: ٧٠.

وبقوله تعالى: (كل نفس بما كسبت رهينة ں الا أصحاب اليمين ں في جنات يتساءلون ں عن المجرمين ںما سلككم في سقر) إلى قوله تعالى: (فما تنفعهم شفاعة الشافعين). المدثر: ٣٨ ـ ٤٨.

وبقوله تعالى: (وأنذرهم يوم الازفة اذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع) غافر: ١٨.

وبقوله تعالى: (ونسوق المجرمين الى جهنم وردا ں لا يملكون الشفاعة الا من اتخذ عند الرحمن عهدا) مريم: ٨٦، ٨٧.

الاستثناء في الاية الشريفة منقطع، والعهد: شهادة أن لا اله الا الله والقيام بحقها. أي لا يشفع الا للمؤمن.

راجع (١) تفسير القرطبي (١١ / ١٥٤) تفسير البيضاوي (٢ / ٤٨) تفسير ابن كثير(٣ / ١٣٨) تفسير الخازن (٣ / ٢٤٣).

(١) الجامع لأحكام القرآن: ١١ / ١٠٢ ـ ١٠٣، تفسير البيضاوي: ٢ / ٤٠، تفسير الخازن: ٣ / ٢٣٢.
١٤٠