×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

أين سنة الرسول ؟!! وماذا فعلوا بها / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٥ فارغة
كتاب أين سنة الرسول ؟!! للمحامي أحمد حسين يعقوب (ص ١ - ص ٣١)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم، على رسول الله محمد صاحب السنة الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، الذين اصطفى من عباده المسلمين أما بعد:

فبعد أن أنهيت كتابي الرابع عشر (الاجتهاد بين الحقائق الشرعية والمهازل التاريخية) قمت بزيارة أخ كريم، وسيد فاضل، وهو سماحة السيد محمد الموسوي، مد الله تعالى في عمره، ونفع المسلمين بعلمه، فاستقبلني بوجهه الطلق، وغمرني بعواطفه النبيلة، وأحاطني بتواضعه الجم فأخبرته بما أنجزت، ولأنني أثق به، وبعمق إيمانه بعدالة قضية أهل بيت النبوة، وبإخلاصه التام لها، وخبرته الطويلة بها، فقد سألته ماذا يقترح علي أن أكتب؟ فأجابني على الفور، كأنه كان يتوقع مني هذا السؤال (أقترح عليك أن تجيب على السؤال التالي: أين سنة الرسول؟)!! فاستهواني الموضوع، واستقر في نفسي فقلت للسيد: ما رأيك لو أضفنا إلى هذا السؤال سؤالا آخر (وماذا فعلوا بها؟

فيكون عنوان الكتاب الجديد (أين سنة الرسول؟! وماذا فعلوا بها؟!) فتهلل وجه السيد، وأيد الفكرة، وصممت على أن أعنون كتابي الخامس عشر بهذا العنوان، وأفصحت للسيد عما صممت عليه فبارك الفكرة، وذكر لي أسماء بعض المراجع، ووضعنا الخطوط العريضة لمخطط البحث، والأبواب التي سألج منها إلى الموضوع، كان الموضوع ميسرا تماما، وكأننا والله قد أعددنا له

٦
منذ مدة طويلة، قلت للسيد: إنني مرهق، فلقد بلغت من الكبر عتيا، سأستريح شهرين أو ثلاثة، وبعدها أنطلق بإذن الله، وشحذ السيد عزيمتي، وبعد يوم واحد من لقائنا بدأت الكتابة، بنفس راضية مطمئنة، وبيسر ما عهدته بأي كتاب آخر، صحيح أنني لم أنطلق من الصفر، لأن موالي أهل بيت النبوة على العموم ينظرون للأنبياء والرسل والأئمة نظرة خاصة، ويعتبرونهم صفوة الجنس البشري، ويعرفون مكانتهم عند الله تعالى، وحاجة بني الإنسان لهم، وعلى هذا الأساس قامت ثقافتهم، واستقرت قناعتهم، وخلال تجاربهم ومعاناتهم التاريخية النادرة عرفوا طبيعة التكامل والتلازم بين كتاب الله المنزل ونبيه المرسل من جهة، وبين القرآن وسنة النبي أو بيانه لهذا القرآن من جهة أخرى، وأنه لا غنى لأحدهما عن الآخر، فهما وجهان لعملة مقدسة واحدة، فسنة الرسول فصل جوهري متداخل تداخلا عضويا مع الشريعة الإلهية المكونة حصرا من كتاب الله ومن سنة رسوله أو من بيان النبي لهذا الكتاب، فسنة الرسول هي العمود الفقري لدين الإسلام، وهي التي تترجم القرآن من النص إلى التطبيق، ومن النظر إلى الحركة، لأن المهمة الأساسية للنبي الأعظم تنصب على بيان ما أنزل الله، فالقرآن كمعجزة بيانية له وجوه متعددة والرسول وحده هو الذي يعرف المقصود الإلهي من كل آية من آياته، وكلمة من كلماته، معرفة قائمة على الجزم واليقين لا على الفرض والتخمين، ثم إن الله سبحانه وتعالى هو الذي أوجد هذا التكامل الفذ، والتداخل العجيب بين القرآن وبيان النبي لهذا القرآن، فالقرآن قد أجمل، وأرسى القواعد الكلية، والبنى الأساسية، وحدد الأفق العام، وترك للرسول مهمة التفصيل والبيان على ضوء توجيهات الوحي الإلهي، فالقرآن وحي باللفظ والمعنى، والسنة وحي بالمعنى والصورة، فالصلاة وهي عماد الدين جاءت مجملة، ولم يتطرق القرآن إلى كيفيتها وتفصيلاتها، وكذلك الزكاة، والحج، والصوم، ونظام الحكم والجهاد.. الخ والرسول الأعظم من خلال سنته المباركة هو الذي فصل وبين أحكامها بيانا كاملا قابلا للتطبيق على ضوء التوجيهات الدقيقة للوحي الإلهي، وتقريبا.

٧
للذهن، ولله المثل الأعلى، فالقرآن بمثابة الدستور الإلهي الشامل الذي يتضمن المبادئ الكلية، والبنى الأساسية، والأهداف العليا، وهو وحي من الله، تلقاه الرسول تلقيا حرفيا، وبلغه كما تلقاه، أما سنة الرسول فهي بمثابة القوانين التي تضع الدستور موضع التطبيق، وهذه القوانين ليست من عند الرسول، بل هي وحي إلهي، لكن ليس باللفظ الحرفي، وإنما بالصورة والمعنى اليقيني المحدد، فقد يصلي جبريل أمام الرسول، ويطلب من الرسول أن يصلي كما صلى، إن الرسول الأعظم يتصرف بدقة متناهية، وعلى ضوء توجيهات الوحي الإلهي، والرسول معد ومؤهل إلهيا، وتوضيحا نقول: (مبرمج) فسيولوجيا، يتبع ما يوحى إليه من ربه بدون زيادة ولا نقصان، (ومطعم) ضد الزلل والخطأ أو معصوم، فلا ينطق عن الهوى، ولا يخرج من فمه إلا حق، فهو امتداد للحق الإلهي، ووجه من وجوه الرسالة الإلهية، ومهمة النبي أن يضع المنظومة الحقوقية الإلهية المتكونة من كتاب الله وسنة رسوله موضع التطبيق بالتصوير الفني البطئ الذي تستوعبه الخاصة والعامة من بني البشر، ولكن تحت إشراف الوحي الشريف وبتوجيهاته، ومن هنا كان الإيمان بالرسول جزءا لا يتجزأ من الإيمان بالله، وكانت طاعة الرسول تماما كطاعة الله، ومعصية الرسول تماما كمعصية الله، وموالاة الرسول والقبول بقيادته تماما كموالاة الله، واتباع سنة الرسول تماما كاتباع القرآن، لأن سنة الرسول هي التطبيق العملي للقرآن.

ولأن الإسلام آخر الأديان، ولأن رسول الله خاتم النبيين، ولأن المنظومة الحقوقية الإلهية، هي القانون الإلهي النافذ المفعول طوال عصور التكليف في الدنيا، فقد تولت سنة الرسول بيان كل شئ، أو وضعت الآلية الشرعية لمعرفة الحكم الشرعي لكل شئ، ولقد ركزت السنة الشريفة تركيزا خاصا على من سيخلف النبي ويتولى تطبيق المنظومة الحقوقية الإلهية من بعده. ولو أن المسلمين قد التزموا بسنة رسول الله، المتعلقة بنظام الحكم، لتغير مجرى التاريخ البشري كله، ولاستقر النظام الإلهي كنظام حكم، ولذاقت البشرية طعم النظام الإلهي، عندها لن ترضى عنه بديلا، إن.

٨
الذين حالوا بين سنة رسول الله المتعلقة بنظام الحكم وبين أن تشق طريقها إلى واقع الحياة يتحملون وزر ذلك كله!!

ومن المدهش حقا أن الخلفاء الذين عطلوا سنة رسول الله، المتعلقة بنظام الحكم، وأحلوا محلها سنتهم الوضعية، قد نجحوا بإقناع الأغلبية الساحقة من المسلمين، بأن قواعد سنة الخلفاء هي النظام السياسي الإسلامي الوحيد وأنه ليس في الإسلام سواها، وما زالت خاصة الأغلبية وعامتها يجترون هذا الزعم منذ ١٤ قرنا!!

ولو أن الخلفاء لم يمنعوا رواية وكتابة سنة الرسول طوال مائة عام ونيف ولم يحرقوا المكتوب منها، لوصلتنا سنة الرسول كاملة باللفظ والمعنى، ولشكلت مع القرآن الكريم أعظم منظومة حقوقية عرفتها البشرية، ولما اختلف اثنان في أي نص من نصوص سنة الرسول الشريفة، الذين أحرقوا سنة رسول الله المكتوبة ومنعوا رواية وكتابة سنة الرسول طوال عام ونيف يتحملون وزر هذا الخلط الذي أصاب سنة الرسول!!!

كنت أعرف أن سنة الرسول قد تعرضت لمحنة رهيبة، ولكن قبل كتابة هذا البحث لم أكن أعلم بأن محنة سنة الرسول بهذا الحجم!!!

أين سنة الرسول!! وماذا فعلوا بها!!؟

لقد أجبت على هذين السؤالين في كتابي هذا الذي اتخذ من هذين السؤالين عنوانا له، وقدمت الجواب من خلال ثمانية أبواب، فتحت في كل باب نوافذ متعددة، تظافرت جميعا، فصبت في خانة الإجابة، وقد اشتمل الباب الأول على مكانة السنة في الإسلام، أما الباب الثاني، فقد غطى موضوع من يبلغ سنة الرسول بعد موته، أما الباب الثالث، فقد كشف المخططات التي رمت إلى نسف الإسلام وتدمير سنة الرسول بعد موته، وفي الباب الرابع، كشفت حالة سنة الرسول بعد موته مباشرة، وكيف.

٩
نقضت أول عروة من عرى الإسلام وهي نظام الحكم، ومن الذين نقضوها ولماذا؟! أما الباب الخامس فقد استعرضت فيه الإجراءات الحكومية ضد سنة الرسول وفي الباب السادس عالجت كارثة استبدال سنة الرسول بسنة الخلفاء، وفي الباب السابع، بينت ما أصاب سنة الرسول بعد مائة عام ونيف على منع كتابتها وروايتها، أما الباب الثامن فقد قسمته لفصلين، بحثت في الأول أهل بيت النبوة في سنة الرسول، وفي الثاني دور أهل بيت النبوة في حفظ سنة الرسول.

ومن خلال هذه الأبواب الثمانية ومنافذها، أجبت على عنوان الكتاب (أين سنة الرسول وماذا فعلوا بها!!؟) وقد كررت ذكر حادثتين، وقعتا أثناء مرض النبي وهما موقف القوم من جيش أسامة، وموقفهم من رسول الله يوم أراد أن يكتب وصيته وتوجيهاته النهائية، وكان قصدي من تكرار هاتين الحادثتين إبراز شناعتهما، وأثرهما الماحق على سنة الرسول وعلى دين الإسلام، لقد قصمتا ظهر الدين حقا!!

أنا لا أدعي الكمال، حتى أنني كعادتي لم أقرأ ما كتبت، لكنني على يقين بأن هذا الكتاب هو الأول في موضوعه من حيث الشمول على الأقل وهو الأحدث في منهجيته وأسلوب عرضه، وغني عن البيان بأنني لا أطمع بجائزة من أحد على هذا الكتاب، إنما أردت أن أضعه تحت تصرف أولياء أهل بيت النبوة ليزدادوا يقينا بسلامة خط أهل بيت النبوة، كذلك فإني أضع ما فيه من حقائق موضوعية تحت تصرف الحائرين الذين وصلوا إلى مرحلة الشك، ولا يدرون أي خط ينبغي أن يسلكوه!!

وإن أريد إلا الاصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله والحمد لله رب العالمين.

أحمد حسين يعقوب.

١٠
١١

الباب الأول
مكانة سنة الرسول في دين الإسلام

١٢
١٣

الفصل الأول

معنى سنة الرسول

تعني سنة الرسول: كل ما صدر عن الرسول بالذات من قول، أو فعل أو تقرير، إطلاقا. فأقوال الرسول هي السنة اللفظية أو القولية، وتعرف بحديث النبي، وأفعال الرسول هي سيرته أو سنته العملية، وتشمل سنة الرسول أيضا تقريره، ومعنى التقرير أن يرى الرسول عملا من مسلم أو أكثر، فلا ينهى عنه، فيكون سكوت الرسول بهذه الحالة إقرارا منه بصحة ذلك الفعل. ولا خلاف بين اثنين من أتباع الملة حول مضمون وحدود هذا المعنى.

التلازم والتكامل بين القرآن الكريم وسنة الرسول

التلازم والتكامل بين القرآن وسنة الرسول ثمرة طبيعة لحالتي التلازم والتكامل بين القرآن الكريم وبين الرسول بالذات، فمن غير المتصور عقلا وشرعا بأن ينزل الله تعالى كتابا سماويا أو تعليمات إلهية إلا على رسول، أو أن يرسل رسالة لبني البشر بدون رسول، فالكتاب والرسول وجهان متكاملان لأمر واحد، وإذا أردنا أن نلخص دين الإسلام تلخيصا دقيقا، فلا نعدو القول بأنه يتكون من مقطعين رئيسيين: أولهما كتاب الله المنزل، وثانيهما نبي الله المرسل، فلا غنى للكتاب عن النبي، ولا غنى للنبي عن الكتاب، فالكتاب لا يفهم فهما يقينيا بدون نبي، والنبي لا برهان له ولا حجة إن لم يكن معه كتاب ضاق مضمونه أو اتسع. ثم إن الإيمان والإسلام لا يتحققان إلا بالاثنين معا، كتاب الله المنزل، ونبيه المرسل، فالإيمان.

١٤
بأحدهما لا يغني عن الإيمان بالآخر، وقد أخذ التكامل والتلازم بين كتاب الله المنزل ونبيه المرسل، بعدا خاصا في دين الإسلام، لأن رسول الإسلام هو خاتم النبيين، فلا نبي بعده، ولأن القرآن هو آخر الكتب السماوية، وعلاوة على أن القرآن معجزة إلهية بيانية أساسها الكلمة الطيبة الصادقة، فإنه هو الدستور الإلهي الذي شخص الأصول والمبادئ والمقدمات الأساسية للشريعة الإلهية النهائية التي ارتضاها الله تعالى للجنس البشري طوال عصور التكليف الممتدة من زمن خاتم النبيين حتى قيام الساعة، لقد أجمل هذا القرآن كل ما يتغير، وفصل ما لا يتغير، وأشار إشارات إلى أحكام وفرائض وأخبار وضروريات، ومصطلحات دون تفصيل، وعهد الله إلى رسوله ببيانها وتفصيلها على ضوء توجيهات الوحي الإلهي، فمصطلحات الصلاة مثلا وهي عماد الدين، والزكاة، والصوم، والحج، والجهاد، ونظام الحكم... الخ كلها موجودة في القرآن الكريم، ولكن دون تفصيل لأن بيانها وتفصيلها متروك لسنة الرسول. ثم إن القرآن الكريم كمعجزة بيانية ذو وجوه متعددة، تؤدي بالضرورة إلى تصورات وأفهام متعددة، فتأتي سنة لتحدد الوجه والفهم الذي يتلاءم مع المقصود الإلهي.

إن المهمة الأساسية للرسول الأعظم ولسنته المطهرة منصبة بالدرجة الأولى والأخيرة على بيان ما أنزل الله بيانا قائما على الجزم واليقين لا على الفرض والتخمين، لأن الرسول الأعظم معد ومؤهل إلهيا لهذه المهمة، ومحاط بالعناية والتسديد الإلهي، ومعصوم عن الوقوع بالزلل، وهو قادر من خلال هذا التأهيل الإلهي أن يفهم المقصود الإلهي من كل آية من آيات القرآن، ومن كل كلمة من كلماته وقد سهل هذا المهمة أن القرآن لم ينزل دفعة واحدة، إنما نزل منجما، وعلى مكث، مما أتاح الفرصة أمام الرسول لينقل من خلال السنة المطهرة بفروعها الثلاثة نصوص القرآن الكريم من النظر إلى التطبيق، ومن الكلمة إلى الحركة، ومن خلال سنة الرسول تحقق التكامل والتلازم والإحكام بين كتاب الله المنزل ونبيه المرسل، وتيقن المؤمنون.

١٥
والعارفون باستحالة بيان القرآن بدون رسول، واستحالة فهم دين الإسلام والالتزام به بدون الرسول وسنته، فالرسول من خلال سنته بفروعها الثلاثة يؤدي مهمة البيان التي اختاره الله لتأديتها، قال تعالى مخاطبا نبيه: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) (١) ومن خلال البيان النبوي المتمثل بسنة الرسول، والالتزام بهذا البيان ينقطع دابر الخلاف والاختلاف في المجتمع البشري المؤمن، قال تعالى مخاطبا رسوله: (وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ٦٤) (٢) فالرسول الأعظم هو المرجع البشري الأعلى في مجال بيان القرآن، وفهم المقاصد الإلهية من كل كلمة من كلماته، فسنة الرسول هي القول الفصل في كل أمر من الأمور المتعلقة بالقرآن الكريم، وسنة الرسول هي ثمرة وحي وإلهام إلهي، وهي من عند الله، والفرق بين القرآن والسنة أن القرآن هو كلام الله المنزل على رسوله باللفظ والمعنى كقرآن، بينما السنة هداية إلهية لغاية بيان القرآن للمكلفين، فالرسول يتبع ما يوحى إليه وينفذ ما يؤمر به، إنه عبد مأمور لله تعالى، ومخصص لتبليغ دين الإسلام المكون من ركنين لا ثالث لهما كتاب الله المنزل ونبيه المرسل بذاته وبسنته القولية والفعلية والتقريرية، والقرآن والنبي وسنته وجهان لأمر واحد، ولا غنى لأحدهما عن الآخر، ولا تتحقق الغاية الشرعية من أحدهما إلا بالآخر، إن التلازم والتكامل بين القرآن وسنة الرسول إحكام إلهي اقتضته طبيعة الأمور وجوهرها.

ومن هنا يتبين لنا فساد مقولة أولئك الذين قالوا لرسول الله وهو على فراش المرض، عندما أراد أن يكتب وصيته: (حسبنا كتاب الله)، أي يكفينا كتاب الله، ويغنينا عن الرسول وسنته!!! لقد أيقن أعداء الله ورسوله بأن

(١) سورة النحل، الآية ٤٤.

(٢) سورة النحل، الآية ٦٤.

١٦
دمار الإسلام وتفريغه من مضامينه الخالدة مستحيل ما دام التلازم والتكامل والإحكام موجودا ما بين كتاب الله وسنة رسوله، ولا يتحقق هذا الدمار إلا بدمار سنة الرسول، أو تحييدها، أو إبعادها عن مسرح التأثير على الأحداث، أو بفك الارتباط المتين بين كتاب الله المنزل ونبيه المرسل.

وهذا هو المنطلق الذي انطلقوا منه يوم قالوا لرسول الله لا حاجة لنا بكتابك ولا بوصيتك: (حسبنا كتاب الله) وهذا هو السر بمنعهم لرواية وكتابة سنة الرسول، وجعل شعار (حسبنا كتاب الله) محور الثقافة التاريخية.

التأكيد الإلهي على مكانة الرسول، وأهمية سنة الرسول

الله تعالى هو الذي أوجد التكامل والتلازم بين كتاب الله المنزل، ونبيه المرسل، وهو الذي فرض الإيمان بالاثنين معا، وهو الذي خص رسوله بهذه المرتبة العالية حتى صار الإيمان بالرسول جزءا لا يتجزأ من الإيمان بالله، والله جلت قدرته هو الذي أبرز أهمية سنة الرسول بفروعها الثلاثة حتى صارت جزءا لا يتجزأ من دين الإسلام، وفصلا جوهريا متداخلا تداخلا عضويا مع الشريعة الإلهية المكونة حصرا من كتاب الله وسنة رسوله.

فهو جلت قدرته الذي اختار نبيه للرسالة، فأعده، وأهله وعصمه، وكلفه بالإمامة والولاية، وأمر المسلمين والمؤمنين أن يأتمروا بأمره وأن ينتهوا بنهيه: (... وما ءاتكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب) (١) فأمر الرسول كأمر الله، ونهي الرسول كنهي الله.

وقال تعالى مخاطبا المكلفين: (فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه) (٢) فالإيمان بالله والرسول لا ينفصلان عن

(١) سورة الحشر، الآية ٧.

(٢) سورة الأعراف، الآية ١٥٨.

١٧
بعضهما، والله يشهد وكفى بالله شهيدا بأن الرسول مؤمن بالله وبكلماته، لذلك فإن الله قد أمر عباده باتباع الرسول (فاتبعوه) لأنه هو النموذج المتحرك للإنسان المؤمن الكامل (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر) (١).

ثم إن الله تعالى قد أزال الشك نهائيا وأوجد اليقين عندما بين لعباده حقيقة رسول الله، وطبيعة ما يصدر عن ذلك الرسول: بقوله تعالى: (وما ينطق عن الهوى ٣ إن هو إلا وحي يوحى ٤) (٢) وقد ترسخت هذه الحقيقة وشهد الله تعالى بثبوتها، وإطلاقها يوم أمر الله رسوله بأن يعلن أمام العالمين، بأنه صلى الله عليه وآله وسلم يتبع ما يوحى إليه من ربه في كل ما يصدر عنه من أقوال أو أفعال أو تقريرات، وتوثيقا من الله لنبيه وتصديقا تولى الله تعالى بنفسه ومن خلال كتابه المبارك نشر هذا الاعلان النبوي فقال جلت قدرته مخاطبا رسوله: (قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي) (٣) وأعلن الله باسم الرسول قائلا: (إن أتبع إلا ما يوحى إلي وما أنا إلا نذير مبين) (٤) وتصديقا من الله لرسوله ثبت الله هذا الاعلان في كتابه الكريم.

وتأكيدا من الله تعالى لعمق التكامل بين الكتاب المنزل والنبي المرسل وعمق الصلة بين الله ورسوله أمر الله رسوله بأن يعلن للمؤمنين والمسلمين خاصة ولأبناء الجنس البشري عامة هذا الاعلان الذي يعبر بدقة عن مضامينه الوارفة فقال تعالى مخاطبا رسوله: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم) (٥) فاتباع الرسول هو الطريق إلى محبة الله، وهو الطريق إلى المغفرة.

(١) سورة الأحزاب، الآية ٢١.

(٢) سورة النجم، الآيتان ٣ - ٤.

(٣) سورة الأعراف، الآية ٢٠٣.

(٤) سورة الأحقاف، الآية ٩.

(٥) سورة آل عمران، الآية ٣١.

١٨
وإحكاما لحلقة التكامل والتلازم بين الله ورسوله، وبين الكتاب المنزل والنبي المرسل، وبين شريعة الإسلام ونبي الإسلام، وتمكينا من الله لرسوله للقيام بأعباء الرسالة، ولسد الطريق أمام أولئك الذين يفرقون بين الله ورسوله، أعلن الله سبحانه وتعالى قراره ومشيئته بقوله: (من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا ٨٠) (١) فطاعة الرسول تماما كطاعة الله، ومعصية الرسول تماما كمعصية الله، والله جلت قدرته هو الذي قرن الطاعنين معا فقال: (وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون ١٣٢) (٢) (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين ٩٢) (٣) وتكرر هذا الأمر الإلهي مرات متعددة في القرآن الكريم. لقد حصل اليقين عن طريق العقل والشرع بأن طاعة الله لا تتحقق إلا بطاعة الرسول فمن يعصي الرسول هو عاص لله، ومن يطع الرسول هو مطيع لله، والتفريق بين الطاعتين محاولة مكشوفة للتفريق بين الله ورسوله، والالتفاف على مقاصد الشرعية الإلهية، وإيجاد ممر للمروق والفساد والخروج من دائرة الشرعية الإلهية.

فالرسول هو حامل الرسالة الإلهية، وهو وحده الذي يتلقى التوجيهات الإلهية وهو المبلغ عن الله، والأمين على ما أوحاه الله والعارف بالمقاصد الشرعية، ثم إنه هو الإمام والقائد والمرجع والولي، فمن غير الجائز أن يعصى الرسول تحت أي شعار لأن معصية الرسول تعيق حركته وقيامه بأعباء التكاليف الإلهية الملقاة على عاتقه لذلك اقتضت حكمة الله أن يطاع الرسول إطاعة تامة وهذا حق لكل الرسل قال تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله) (٤) ورسول الله وخاتم النبيين أولى بالطاعة

(١) سورة النساء، الآية ٨٠.

(٢) سورة آل عمران، الآية ١٣٢.

(٣) سورة المائدة، الآية ٩٢.

(٤) سورة النساء، الآية ٦٤.

١٩
لأن المسؤوليات الملقاة على عاتقه، أضخم وأكبر من المسؤوليات التي ألقيت على عاتق أي رسول من قبله، فهو خاتم النبيين، ومعه الشريعة الإلهية بصورتها النهائية التي ارتضاها الله لعباده أجمعين. وهذا يعطي قيمة خاصة لكل ما يصدر عن الرسول من قول أو فعل أو تقرير، لأن سنة الرسول بفروعها الثلاثة لازمة من لوازم الإسلام والبيان خاصة وأن الرسول لم يبعث إلى العرب إنما أرسله الله رحمة للعالمين، وقد انتقل إلى جوار ربه، ولم يدخل في الإسلام غير العرب، فمن حق أبناء الجنس البشري أن يطلعوا على سنة رسول البشرية من مصادر موثوقة ولا يتحقق هذا إلا بصيانة السنة، وكتابتها ونقلها إلى أبناء الجنس البشري نقية بلا زيادة ولا نقصان، ومن هنا يتبين لنا فداحة الجرم الذي ارتكبه أولئك الذين منعوا رواية وكتابة السنة طوال مائة عام تحت شعار: (حسبنا كتاب الله).

شهادات على صحة ما ذهبنا إليه حول التكامل والتلازم بين القرآن وسنة الرسول

قلنا: إن القرآن والسنة وجهان لعملة واحدة، فلا يمكن فهم القرآن فهما يقينيا أو تطبيقه دون وجود السنة المطهرة بفروعها الثلاثة القول والفعل والتقرير لأن المهمة الأساسية لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم تتمحور حول بيان ما أنزل الله من القرآن، والقرآن والسنة متكاملان، ولا غنى لأحدهما عن الآخر وتقريبا للذهن، وإبرازا للمقصود، فإن القرآن كالدستور في اللغة القانونية المعاصرة، والسنة كالقانون، فوجود الدستور لا يغني عن وجود القانون، ووجود القانون لا يغني عن وجود الدستور، لأن أي واحد منهما يشكل ركنا أساسيا من أركان المنظومة الحقوقية النافذة في المجتمع، وهذا حال القرآن والسنة لأنهما هما المنظومة الحقوقية النافذة في المجتمع الإسلامي فالقرآن يشتمل على المبادئ الرئيسية والقواعد الكلية حيث أجمل ما يتغير وترك للرسول الأعظم أمر تفصيل ذلك على ضوء توجيهات الوحي الإلهي،

٢٠