×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الإيمان والكفر وآثارهما على الفرد والمجتمع / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٥ فارغة
كتاب الإيمان والكفر لمركز الرسالة (ص ١ - ص ٢٦)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

مقدمة المركز

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الاَمين محمد المصطفى وآله الطيبين الطاهرين.

لم يعد الحديث عن الاِيمان حديثاً تكرارياً، ولا خطاباً «رجعياً» كما كان يذاع من قبل الدعوات المادية وهي في ذروة تصاعدها وفي طور التأسيس لكياناتها المستقلّة، لم يعد كذلك بعد أن وجدت هذه الدعوات نفسها مضطرة إلى استعارة الكثير من قيم الاِيمان ومبادئه السامية.. ذلك حين أثبتت لها تجارب الحياة ان دعوتها المادية إنّما هي «مثالية» من نمط آخر، إذ أنها كانت تريد أن تصنع انساناً غير هذا الانسان، أو أنها كانت تظنّ ان ما جاءت به الاَديان إنّما هو محض خرافة، فلمّا عركتها التجارب أدركت بأنّها غارقة في خيال بعيد حين خيل إليها إنّ الاِنسان ما هو إلاّ كتلة من اللحم والدم والعظام التي يجب أن تعيش في اطار هذه المكونات ـ ولاَجلها وحسب ـ فمن الطبيعي ان تهزم مثل هذه الاَفكار أمام طبيعة الاِنسان الثنائية التي لا يمكن الغاء إحدى قطبيها بحال من الاَحوال.. فلم يعد الاِيمان إذن حديث خرافة انما هو حديث طبيعة الاِنسان وطبيعة الحياة أيضاً.

ومن ناحية أُخرى، عندما ندقق النظر، نجد أن القرآن الكريم حين تحدث عن الايمان، فقد تحدث عنه في أبعاد متعددة، ولم يجعله حديثاً تأنس به الروح في يومها من أجل أن تطمئن لغدها، اُنساً صوفياً وحسب.

لقد تحدث القرآن عن الاِيمان كقضية فرد يرجو لقاء ربه والفوز في الحياة الآخرة: (إنَّ الذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالحاتِ اُولئكَ هُم خَيرُ البريَّةِ).

(أفَمَن كانَ مُؤمِناً كَمَن كانَ فاسِقاً لا يَستَوونَ)، (كُنتُم خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنَّاسِ تأمُرُونَ بالمعروفِ وتَنهونَ عَنِ المُنكَرِ وتُؤمِنُونَ باللهِ).

وتحدّث عنه كقضية مجتمع وأُمّة، لها دورها الاَكبر في تقرير مصيرها الحضاري

٦
ووجودها على الاَرض: (وألَّوِ استَقَامُوا على الطَّريقةِ لاَسقيناهُم مَّآءً غَدَقاً).

(ولو أنَّ أهلَ القُرى آمنُوا واتّقوا لفَتَحنا عَليهِم بَرَكاتٍ مِّنَ السَّمآءِ والاَرضِ ولكن كذَّبُوا فأخذناهُم بِما كانُوا يَكسِبُونَ).

وتحدث عنه قيماً إنسانية عالية كفيلة بصنع المجتمع الاَمثل: (تِلكَ الدَّارُ الآخِرةُ نَجعَلُها لِلَّذينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً في الاَرضِ ولا فَسَاداً والعاقِبَةُ لِلمُتَّقينَ).

هذه هي صورة الاِيمان وحقيقته، وهذه هي أبعاده، فليس هو اُنساً صوفياً يحبس المرء في صومعته، ولا هو مجرّد دعوى تلجُّ بها الاَلسن أيضاً، بل هو الآفاق الشاسعة التي تتعلق بالفكر والسلوك والنظم والعلائق الاِنسانية بأسرها، وهي آفاق واسعة جداً يضيق المدلول اللغوي لكلمة (الاِيمان) عن ضبطها وحصرها، فضلاً عن احتوائها. ولهذا كان الاِيمان سراً في نهضة أُمم وازدهارها، وكان الكفر سرّاً في انهيارها وضياعها.

إذن، حينما ندرس الاِيمان والكفر، فلسنا ننهمك في مداعبة الروح وتخديرها بالآمال، ولا تخويفها بالاَهوال، كما قد يتخيل البعض بنظرة تبسيطية سطحية، وإنّما ندرس في الواقع معادلات الحياة البشرية كلّها، والتي يشكل الفرد والمجتمع أبرز محاورها.

وإذ يولي مركزنا هذا الموضوع اهتمامه من خلال هذا الاصدار فهو لا يدعي أنه قد وفى لهذا الموضوع حقّه واستوعب جوانبه وإن ألقى المزيد من النور على حقائقه الكبرى، لا لاَجل توسيع آفاق المعرفة بهذا الموضوع، أو تثقيف العقول برصيده الفكري الضخم فحسب، وإنّما لاَجل أن تستحيل تلك المعرفة إلى طاقة محركة وقوة دافعة تصبغ الواقع الاِنساني في اطار الضمير والشعور بصبغة محاور الاِيمان النقية الخيرة، وتتمثل في حياة الفرد والمجتمع نظاماً وخلقاً.

والله تعالى هو المستعان، وهو الهادي إلى سواء السبيل

مركز الرسالة

٧

المقدِّمة

الحمدُ لله الذي حبَّبَ الاِيمان لعباده، وزيّنَهُ في قلوبهم، وكَرَّهَ إليهم الكُفر والفُسوقَ والعصيانَ. والصلاة والسلام على منار المؤمنين وقبلتهم ومبير الكافرين وأعوانهم أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين، وبعد..

لا يخفى أنَّ الاِيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله هو ذروة العقيدة الحقّة وسنام الدين الاَعلى، مما ينبغي على المسلمين في كل عصر وجيل أن يكون (الاِيمان) هو المقياس الحقيقي للتفاضل بينهم بعيداً عن جميع الاعتبارات الاُخرى التي لم يعطها كتاب الله العزيز قيمة ولا وزناً، وهو ليس شعاراً يرفعه من يشاء، وإنما هو سلوك وأدب وخلق وممارسة تتجسد في حياة الفرد بالحرص الشديد على بغض كل شر وحب كل خير وبثه.

وإذا كان كل مولود يولد مؤمناً على الفطرة وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، فإنّ هذا المبدأ الاستعدادي للاِيمان منذ الوهلة الاُولى لكلِّ مولود جديد غير كافٍ للوصول إلى الغاية الواضحة التي رسمها القرآن الكريم للاِيمان ما لم يقترن ذلك الاستعداد بتربية صحيحة وتوجيه سديد وتعليم متقن، وإلاّ فلا بدَّ من اهتزاز المثل الاِيمانية الرفيعة التي تؤدي إلى انحسار الاِيمان الحق شيئاً فشيئاً إلى أن ينسحب ظله من النفوس لا قدّر الله.

٨
ولا أخال أحداً عاقلاً لا يعي ما للاِيمان من دور فعّال في حياة الفرد والمجتمع، فنظرة واحدة إلى ما أحرزته الاُمم المتقدمة من انتصارات كبيرة في الاَبعاد المادية كتسخيرها للطبيعة وتحقيقها تقدماً باهراً في الطب والتصنيع والاتصال، تكفي شاهداً على ما نقول، لاَنَّ هذا التقدّم لم يؤثّر إيجابياً في حياتها النفسية، فلم تجد الطمأنينة والاَمن النفسي بعد، ولم تذق طعم السلام إلى اليوم، وتنتاب أفرادها موجة من الشك والقلق والخوف من المستقبل، تدفعهم إلى الهروب من الحياة أو الانتحار الذي أصبح ظاهرة ملفتة للنظر في المجتمعات الغربية، لذلك أخذ علماؤها ومفكروها يدقون أجراس الخطر.

كما لم يؤثّر التقدم المادي المشهود في أبعادها الخُلقية إذ يلاحظ كثرة وتنوع مظاهر الفساد في أكثر البلدان وتفشي ظاهرة الجريمة والشذوذ وتعاطي المخدرات على أوسع نطاق. وفوق ذلك لم يحدث تطور في تصور الاِنسان عن غاية الوجود وأهداف الحياة الاِنسانية.

والمثير في الاَمر بروز مظاهر جديدة للكفر تقف وراءها مؤسسات عملاقة أخذت تحارب الاِسلام وتحاول النيل من مبادئه والحط من مكانة ومصداقية رموزه.

وأخذت دائرة الكفر تتسع بظهور جماعات تنتشر في كافة القارات، وتدعوا ـ علناً ـ لعبادة الشيطان !، وقد أوجدت لهذه الغاية طقوساً خاصة وأماكن مخصصة، مستفيدة من أحدث وسائل الاتصال لنشر أفكارها الهدّامة، لذلك وجدنا الحاجة ماسة للحديث عن قضية الاِيمان والكفر، ونعتقد أنها من القضايا الحيوية الاَولية التي يجب إعطاءها ما تستحقه من أهمية.

٩
صحيح أنّ هناك من تضيق عدسة الرؤية لديه، ولا يرغب الحديث عن الاِيمان والكفر، ويرى أنها قضية جانبية هامشية، وأنّ في الدّنيا قضايا حياتية أهم. ولكن غاب عن هؤلاء أنّها من القضايا المصيرية التي يتوقف عليها مصير الفرد والمجتمع معاً. خصوصاً وأنّ الاِيمان مصدر خير للبشرية، وأنّ الكفر مصدر شرٍّ لها عبر تاريخها الطويل، فقد كبّل عقول الناس بالخرافات والاَساطير وحط من أخلاقهم وحال دون رقيهم، كما جلب لهم الخصام والتنازع ولم يذوقوا طعم السلام.

ولاَجل بيان ما يلزم بيانه، قسّمنا البحث على فصول أربعة وخاتمة، آملين أن تسهم في تشخيص معالم الكفر والاِيمان وبيان أثرهما على الفرد والمجتمع كخطوة مباركة ـ إن شاء الله ـ في دعم فطرة الاِنسان الاولى وتقويتها وصيانتها والحفاظ عليها من مغبة الانزلاق في مسالك الحياة المادية مع الاَخذ بيد المؤمنين إلى ما يقوي إيمانهم ويرفعه درجات.

ومنه تعالى نستمد العون والتوفيق
١٠

١١

الفصل الاَول
الاِيمان وعلامات المؤمن

المبحث الاَول: معنى الاِيمان ومسمّاه

أصل الاِيمان: الاذعان إلى الحقِّ على سبيل التصديق له واليقين. ولكنه صار اسماً لشريعة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم (١).

واختلفوا في مسمى الاِيمان في العرف الشرعي.

فقد ذهب المعتزلة والخوارج والزيدية وأهل الحديث إلى أنّ الاِيمان اسم لاَفعال القلوب والجوارح مع الاقرار باللسان. وأنّ الاِيمان يتناول طاعة الله ومعرفته مع ما جعل الله تعالى عليه دليلاً عقلياً أو نقلياً في الكتاب والسُنّة المطهّرة. وأنّ الاخلال بواحد من هذه الاُمور كفرٌ.

وذهب أبو حنيفة والاَشعري إلى أنّ الاِيمان يحصل بالقلب واللسان معاً.

وهناك فريق ثالث يرى أنّ الاِيمان عبارة عن الاعتقاد بالقلب فقط. وتبلور عنه اتجاه يحصر الاِيمان في نطاق ضيق هو معرفة الله بالقلب حتى

(١) الذريعة إلى مكارم الشريعة، للراغب الاصفهاني: ١٠٠ مكتبة الكليات الازهرية ـ مصر ١٣٩٣ هـ ط١.

١٢
أنّ من عرف الله ثم جحد بلسانه ومات قبل أن يقرّ به فهو مؤمن كامل الاِيمان.

وبالمقابل برز فريق رابع يرى أنّ الاِيمان ـ حصراً ـ هو الاِقرار باللسان فقط.

وتبلور عنه إتجاه يرى أنّ الاِيمان هو إقرار باللسان ولكن بشرط حصول المعرفة في القلب (١).

ولكن التدبر في آيات القرآن الكريم يكشف حقيقة أُخرى للاِيمان بعيدة عن كلِّ ما تقدم، وهي أنّ الاِيمان ليس مجرد العلم بالشيء والجزم بكونه حقاً، لاَنَّ الذين تبين لهم الهدى لم يردعهم ذلك عن الارتداد على أدبارهم ولم يمنعهم من الكفر والصد عن سبيل الله ومشاققة الرسول كما في قوله تعالى: (إنَّ الَّذين ارتَدُّوا على ادبارِهم مِنْ بَعدِ ما تَبينَ لهَمُ الهُدى... إنَّ الَّذينَ كَفَرُوا وصَدَّوا عَن سَبِيلِ اللهِ وشَاقُّوا الرسُولَ مِن بَعدِ ما تَبيَنَ لهُم الهُدى) (٢) ومنهم من أضله الله على علم (٣).

فالعلم إذن لا يكفي وحده في المقام ما لم يكن هناك نوع التزام بمقتضاه وعقد القلب على مؤداه بحيث تترتب عليه آثاره ولو في الجملة.

ومن هنا يظهر بطلان ما قيل: أنّ الاِيمان هو العمل، وذلك لاَنّ العمل يجامع النفاق، فالمنافق له عمل، وربما كان ممن ظهر له الحق ظهوراً

(١) التفسير الكبير، للفخر الرازي ١: ٢٣، ٢٥ الجزء الثاني.

(٢) سورة محمد ٤٧: ٢٥ و ٣٢.

(٣) كما في سورة الجاثية ٤٥: ٣٣ (وأضله الله على علم).

١٣
علمياً، ولا إيمان له على أي حال (١).

وفي هذا الخصوص، وردت أحاديث كثيرة عن أهل البيت عليهم السلام تعكس التصور الاِيماني الصحيح وفق نظرة شمولية ترى أنّ الاِيمان هو عقد بالقلب وقول باللِّسان وعمل بالاركان.

سُئل أمير المؤمنين عليه السلام عن الاِيمان، فقال: «الاِيمان معرفة بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالاَركان»(٢).

وقال الاِمام الباقر عليه السلام في معرض تفريقه بين الاِسلام والاِيمان: «الاِيمان إقرار وعمل والاِسلام إقرار بلا عمل» (٣).

ويؤكد الاِمام الصادق عليه السلام على قاعدة التلازم بين القول والعمل في تحقق مفهوم الاِيمان، فيقول: «ليس الاِيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن الاِيمان ما خلص في القلوب وصدّقته الاَعمال» (٤). وعن سلام الجعفي قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن الاِيمان فقال: «الاِيمان أن يطاع الله فلا يعصى» (٥).

ويتضح من خلال تلك الاَحاديث ونظائرها أنّ أهل البيت عليهم السلام قد رفضوا كون الاِيمان مجرد إقرار باللسان، أو اعتقاد بالقلب، أو بهما معاً؛ لاَنه فهم سطحي قاصر، إذ هكذا إيمان لا روح فيه ولا حياة، ما لم يقترن

(١) تفسير الميزان، للعلاّمة الطباطبائي ١٨: ٢٥٩ مؤسسة الاَعلمي ـ بيروت ١٣٩٣ هـ ط٢.

(٢) نهج البلاغة، صبحي الصالح: ٥٠٨ | حكم ٢٢٧.

(٣) تحف العقول: ٢٩٧.

(٤) تحف العقول: ٣٧٠.

(٥) اُصول الكافي ٢: ٣٣ | ٣ كتاب الاِيمان والكفر.

١٤
بالطاعة المطلقة لله وتنفيذ ما أمر والنهي عما زجر كل ذلك في دائرة الوعي والسلوك والعمل.

هذا، وتبلغ دائرة الاِيمان أقصى إتساع لها في جواب الاِمام الصادق عليه السلام على سؤال عجلان أبي صالح عندما سأله عن حدود الاِيمان، فقال عليه السلام: «شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنَّ محمداً رسول الله، والاِقرار بما جاء به من عند الله، وصلاة الخمس، وأداء الزكاة، وصوم شهر رمضان، وحجّ البيت، وولاية وليّنا، وعداوة عدّونا، والدخول مع الصادقين» (١).

وهكذا نجد أنّ مفهوم الاِيمان في مدرسة أهل البيت عليهم السلام يتجاوز دائرة الاعتقاد المنسلخ عن السلوك، ويرتكز على رؤية موحدة ومترابطة تذهب إلى أنّ الاعتقاد القلبي متقدم رتبياً على الاِقرار اللفظي، ولا بدَّ من أن يتجسد هذا الاعتقاد وذلك الاِقرار إلى سلوك سوي. ثم إنّ كلّ تفكيك بين الاِيمان وبين العمل يفتح الباب على مصراعيه أمام النفاق والمظاهر الخادعة والدعاوى الباطلة. وعلى هذا الاَساس قال الاِمام الصادق عليه السلام: «الكفر إقرارٌ من العبد فلا يُكلف بعد إقراره ببيّنة، والاِيمان دعوى لايجوز إلا ببيّنة وبينته عمله ونيته» (٢).

فالاِمام عليه السلام في هذا الحديث يضع ميزاناً دقيقاً للاِيمان يرتكز في أحد كفتيه على الباطن الذي تعكسه نية الفرد وانعقاد قلبه على الاِيمان، وفي الكفة الاُخرى يرتكز على الظاهر الذي يتمثل بعمله وسلوكه السوي الذين يكونا كمرآة صافية لتلك النية.

(١) اُصول الكافي ٢: ١٨ | ٢ كتاب الاِيمان والكفر.

(٢) اُصول الكافي ٢: ٤٠ | ٨ كتاب الاِيمان والكفر.

١٥
ومن هنا يؤكد الاَئمة عليهم السلام على أنّ الاِيمان كل لا يتجزأ، ويرتكز على ثلاث مقومات: الاعتقاد والاِقرار والعمل.

فعن أبي الصلت الهروي، قال: سألت الرضا عليه السلام عن الاِيمان، فقال عليه السلام: «الاِيمان عقد بالقلب ولفظ باللسان، وعمل بالجوارح، ولا يكون الاِيمان إلاّ هكذا» (١).

تأمل جيداً في العبارة الاَخيرة من الحديث «... ولا يكون الاِيمان إلاّ هكذا» فهي خير شاهد على النظرة الشمولية غير التجزيئية للاِيمان التي تتبناها مدرسة أهل البيت عليهم السلام.

ولم تنطلق تلك النظرة من فراغ، أو جرّاء التأثر بالمدارس الكلامية، وإنما هي ربانية التلقي نبوية التوجيه، قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «الاِيمان والعمل شريكان في قرن، لا يقبل الله تعالى أحدهما إلاّ بصاحبه» (٢).

ثم أنّ هذه النظرة الشمولية للاِيمان ـ بمقوماتها الثلاثة ـ تستقي من منابع قرآنية صافية، يقول العلاّمة الراغب الاصفهاني: «والاِيمان يُستعمل تارة اسماً للشريعة التي جاء بها محمد عليه الصلاة والسلام وعلى ذلك: (إنَّ الَّذينَ آمنُوا والَّذين هادُوا والصّابئينَ) (٣) ويُوصف به كلُّ من دخل في شريعته مُقراً بالله وبنبوَّته، قيل وعلى هذا قال تعالى: (وما يؤمِنُ أكثرهُمُ باللهِ إلاّ وهُم مُشرِكُونَ) (٤) وتارةً يستعمل على سبيل المدح ويُراد

(١) معاني الاخبار: ١٨٦ باب الاِيمان والاِسلام.

(٢) كنز العمال ١: ٩٥ | ٤٢٢.

(٣) سورة الحج ٢٢: ١٧.

(٤) سورة يوسف ١٢: ١٠٦.

١٦
به إذعانُ النَّفس للحقِّ على سبيل التصديق وذلك باجتماع ثلاثة أشياء: تحقيقٌ بالقلب، وإقرار باللِّسان، وعمل بحسب ذلك بالجوارح، وعلى هذا قوله: (والَّذينَ آمنُوا باللهِ ورُسُلهِ أولئكَ هُمُ الصِدِّيقُونَ) (١).

وإن قال قائل: إنَّ الله سبحانه قال: (والَّذينَ آمنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أولئِكَ أصحابُ الجَنَّةِ) (٢) والعطف دليل التغاير، ومعنى هذا أنَّ العمل ليس جزءاً في مفهوم الاِيمان. قلنا في جوابه: المراد بالاِيمان هنا مجرَّد التصديق تماماً كقوله تعالى حكاية عن أخوة يوسف: (وما أنت بمؤمنٍ لنا ولو كُنَّا صادقين) (٣)أمّا أكمل الاِيمان فهو أن يعمل حامله بموجب إيمانه، ويؤثره على ميوله وأهوائه ويتجشم الصعاب من أجله لا لشيء إلاّ طاعة لاَمر الله (٤).

وصفوة القول إنّ الاِيمان برنامج حياة كامل، لا مجرد نية تُعقد بالقلب، أو كلمة تقال باللِّسان بلا رصيد من العمل الايجابي المثمر.

ونخلص إلى القول بأنّ للايمان مرتبتين، تعني الاُولى منهما: التصديق بقول «لا إله إلاّ الله محمد رسول الله» وهذا هو الحد الاَدنى من الايمان، وهو الايمان بمعناه الاَعم الذي يصدق على كل من دخل في دين الاِسلام مقراً بالله وبنبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

(١) مفردات ألفاظ القرآن، للراغب الاصفهاني: ٢٦ المكتبة المرتضوية. والآية من سورة الحديد ٥٧: ١٧.

(٢) سورة البقرة ٢: ٨٢.

(٣) سورة يوسف ١٢: ١٧.

(٤) في ظلال الصحيفة السجادية، للشيخ محمد جواد مغنية: ١٨١.

١٧
فيما يراد بالمرتبة الثانية من الاِيمان ما هو فوق التصديق من الاقرار باللسان والعمل بالاركان، أي التزام مبادىء الشريعة الاِسلامية وأحكامها، من أداء الواجبات والعمل بالطاعات وتجنب المنكرات والشبهات، وهذا هو الايمان الممدوح في القرآن والسُنّة.

وهذه المرتبة الاخيرة من الايمان هي التي ستكون محل الاهتمام في هذا الكتاب، دون المرتبة الاُولى.

المبحث الثاني: حقيقة الاِيمان

إنَّ حقيقة الاِيمان في هذا الوجود هي أكبر وأكرم الحقائق. لم تدركها النفوس عن طريق دائرة الحس الضيقة، فليست هي بحقيقة مادية تُدرك بالحواس المعروفة ولكن هي حقيقة معنوية علوية تدركها القلوب السليمة، فتأخذ النفوس من أقطارها، وتظهر ثمارها الطيبة نظافة في الشعور ورفعةً في الاَخلاق وإستقامة في السلوك.

تلك الحقيقة التي تتجسد في نفوس المؤمنين من خلال مظاهر عديدة، يمكن الاشارة إلى أبرزها اهتداءً بقبس من نور النبوة وحماة منهجها، وهي:

أولاً: التسليم لله تعالى والرِّضا بقضائه

يقول الرسول الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «إنَّ لكلِّ شيء حقيقةً وما بلغ عبد حقيقة الاِيمان حتى يعلم أنَّ ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه» (١).

(١) كنز العمال ١: ٢٥ | ١٢.

١٨
فالمؤمن حقاً هو الواثق بالله تعالى وحكمته المستسلم لقضائه، والمتقبل لما يجيء به قدر الله في اطمئنان أياً كان.

روى الصدوق رحمه الله بسنده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه لقي في بعض أسفاره ركب فقال: «ما أنتم ؟ قالوا: نحن مؤمنون، قال: فما حقيقة إيمانكم ؟ قالوا: الرّضا بقضاء الله والتسليم لاَمر الله والتفويض إلى الله تعالى فقال: علماء حكماء كادوا أن يكونوا من الحكمة أنبياء، فإن كنتم صادقين فلا تبنوا ما لا تسكنون، ولا تجمعوا ما لا تأكلون واتّقوا الله الذي إليه ترجعون»(١).

فالرِّضا بقضاء الله والتسليم لاَمره من أعلى مظاهر الاِيمان وهما من أبرز الخصال التي يتصف بها الاَنبياء، ومن يتمسك بها يرتقي إلى قمة الهرم الاِيماني ويكون قد حصل على لباب العلم وجوهر الحكمة.

وفي هذا الصدد قيل لاَبي عبدالله عليه السلام بأي شيء يعلم المؤمن أنّه مؤمن؟ قال عليه السلام: «بالتسليم لله والرِّضا بما ورد عليه من سرور أو سخط»(٢).

ثانياً: الحب في الله والبغض في الله

وهو من أبرز المظاهر العاطفية التي تعكس حقيقة الاِيمان، فحينما يؤثر الاِنسان ـ على ما يحبه ويهواه ـ مايحبه الله تعالى ويرضاه، وحينما يكون غضبه لله لا لمصلحته الخاصة، فلا شك أنّ هذا الشعور العاطفي العالي يكون مصداقاً جلياً على عمق إيمانه ومصداقيته. ولذا ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يجد العبد حقيقة الاِيمان حتى يغضب لله، ويرضى لله، فإذا فعل ذلك فقد استحق حقيقة

(١) معاني الاخبار، للصدوق: ١٨٧ باب معنى الاِسلام والاِيمان.

(٢) اُصول الكافي ٢: ٦٢ | ١٢ كتاب الاِيمان والكفر.

١٩
الاِيمان»(١). وعن الاِمام الصادق عليه السلام: «لا يبلغ أحدكم حقيقة الاِيمان حتى يحب أبعد الخلق منه في الله، ويبغض أقرب الخلق منه في الله» (٢).

ثالثاً: التمسك المطلق بالحق

يقول أمير المؤمنين عليه السلام: «إنَّ من حقيقة الاِيمان أن تؤثر الحقّ وإن ضرّك على الباطل وإن نفعك» (٣).

إنَّ ترجيح كفة الحق الضار على كفة الباطل النافع ما هي إلاّ مظهراً من مظاهر قوة الاِيمان الراسخ في أعماق النفس المؤمنة.

رابعاً: حب أهل البيت عليهم السلام

هو أحد الحقائق الهامة التي تميز الاِيمان الصادق عن الزائف، عن زر بن حبيش قال: رأيت أمير المؤمنين عليه السلام على المنبر فسمعته يقول: «والذي فلق الحبة وبرء النسمة، أنه لعهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلي أنه لا يحبك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق»(٤).

وعن جابر بن عبدالله بن حزام الاَنصاري قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم جماعة من الاَنصار فقال لنا: «يا معشر الاَنصار بوروا أولادكم بحب علي بن أبي طالب فمن أحبه فاعلموا أنه لرشدة ومن أبغضه فاعلموا أنه لغية» (٥).

وعن أبي الزبير المكي قال: رأيت جابراً متوكئاً على عصاه وهو يدور في سكك الاَنصار ومجالسهم وهو يقول: «علي خير البشر فمن أبى فقد

(١) كنز العمال ١: ٤٢ | ٩٩.

(٢) تحف العقول: ٣٦٩.

(٣) الخصال، للشيخ الصدوق: ٥٣.

(٤) الارشاد، للشيخ المفيد: ٢٥.

(٥) الارشاد، للمفيد: ٢٧. وبوروا بمعنى: اختبروا.

٢٠